يعيش العالم منذ إندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في فبراير 2022 واحدة من أخطر مراحل إعادة تشكيل النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، ومع دخول الصراع عامه الخامس، لم يعد الأمر مجرد نزاع إقليمي بين موسكو وكييف، بل تحول لمواجهة مفتوحة بين روسيا والغرب، تستخدم فيها جميع أدوات القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية، الأمر الذي يستحضر سؤالاً هاماً،وهو: هل تقترب البشرية من حرب عالمية ثالثة؟

وحقيقة الأمر أن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب قراءة موضوعية عميقة لطبيعة الصراع، وموازين القوى الدولية، وحدود الردع النووي، وإتجاهات السياسة الدولية خلال السنوات المقبلة.

من الحرب الإقليمية إلى الصراع الدولي:

بدأت الحرب باعتبارها عملية عسكرية روسية تهدف منع تمدد حلف "الناتو" شرقاً، وتأمين المجال الحيوي للأمن القومى الروسي، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى أكبر مواجهة غير مباشرة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

فالدعم العسكري والإستخبارتي والاقتصادي الغربي لأوكرانيا، إلى جانب العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة على موسكو، جعل من أوكرانيا ساحة حرب بالوكالة بين قوتين نوويتين تمتلكان أكبر ترسانة عسكرية في العالم. وباتت نتائج هذه الحرب تتجاوز حدود أوكرانيا، لتنعكس على أسواق الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، وعلى توازنات القوة في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.

في المقابل، نجحت روسيا في إعادة توجيه جزء من اقتصادها نحو اقتصاد الحرب،
مع تعميق شراكاتها مع قوى دولية أخرى أبرزها الصين، بينما واصل حلف "الناتو" تعزيز قدراته الدفاعية ودعمه لكييف.

مؤشرات تدفع نحو التصعيد:

هناك مجموعة من المؤشرات تجعل إحتمالات التصعيد قائمة، وإن كانت لا تعني بالضرورة إندلاع حرب عالمية شاملة، من أبرزها ما يلي:

1- استمرار سباق التسلح بين روسيا ودول حلف "الناتو": حيث ارتفعت ميزانيات الدفاع الأوروبية بصورة غير مسبوقة منذ عام 2022، مع تعزيز الإنتشار العسكري على الحدود الشرقية للحلف، وأصبحت الصناعات الدفاعية الأوروبية والأمريكية تعمل بوتيرة أقرب إلى اقتصاد الحرب.
 
2- اتساع نطاق الحرب ليشمل العمق الروسي: عبر الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، في مقابل تكثيف روسيا ضرباتها على المدن والبنية التحتية الأوكرانية، وهو ما يزيد من إحتمالات سوء التقدير العسكري، وتشهد الفترة الحالية إستمراراً للتصعيد المتبادل، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين،وإستمرار الضربات بعيدة المدى.
 
3- تنامي الحرب السيبرانية وحروب الفضاء والمعلومات: إذ أصبحت الهجمات الإلكترونية، والذكاء الإصطناعي، والطائرات المسيرة، والأسلحة الدقيقة، عناصر رئيسية في إدارة الصراع، مما يشير إلى تغير طبيعة الحروب الحديثة مقارنة بالحربين العالميتين السابقتين.
 
4تراجع فاعلية إتفاقيات الحد من التسلح النووي:حيث تصاعد الحديث عن تحديث الترسانات النووية،ونشر أنظمة صاروخية جديدة، بما يعيد العالم إلى أجواء سباق التسلح الذي ميز الحرب الباردة.

لماذا لم تندلع الحرب العالمية الثالثة حتى الآن:

رغم التصعيد المستمر، فإن هناك مجموعة من العوامل الإستراتيجية التي لا تزال تمنع إنزلاق العالم إلى مواجهة عالمية شاملة، وأبرز هذه العوامل ما يلي:

1- الردع النووي المتبادل: حيث تدرك كل من موسكو وواشنطن - وباقى القوى الكبرى -
أن أي مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى تدمير متبادل لا يحقق مكاسب لأي طرف.
 
2- المصالح الاقتصادية العالمية: فرغم تراجع العولمة، لا تزال تمثل عامل كبح مهم،
إذ إن اندلاع حرب عالمية سيؤدي إلى انهيارات اقتصادية غير مسبوقة تطال جميع القوى الكبرى، بما فيها الصين والهند والاتحاد الأوروبي، وبالطبع روسيا والولايات المتحدة.
 
3- الحفاظ على خطوط حمراء: فما زالت القوى الكبرى حريصة على إبقاء المواجهة ضمن إطار "الحرب غير المباشرة"، وتجنب الاشتباك العسكري المباشر بين روسيا و"الناتو".

السيناريوهات المحتملة:

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية خلال السنوات المقبلة، كالتالي:

1- السيناريو الأول: استمرار حرب الإستنزاف الحالية، مع بقاء خطوط القتال متحركة بصورة محدودة، واستمرار الدعم الغربي لأوكرانيا دون مواجهة مباشرة مع روسيا، وهو السيناريو الذي يراه كثير من المحللين الأكثر ترجيحاًعلى المدى القريب.
 
2- السيناريو الثاني: إمكانية التوصل لتسوية سياسية مؤقتة، نتيجة الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتبادلة، وتجميد خطوط القتال دون معالجة جذور الأزمة، بما يجعل إحتمالات تجددها قائمة مستقبلاً.
3- السيناريو الثالث: توسع الحرب نتيجة خطأ في الحسابات أو إحتكاك مباشر بين روسيا وإحدى دول "الناتو"، سواء في البحر الأسود أو بحر البلطيق أو المجال الجوي الأوروبي، بما قد يؤدي لتفعيل آليات الدفاع الجماعي، وهو السيناريو الأقل إحتمالاً لكنه الأعلى خطورة.

تقدير الموقف :

في تقديري، لا يتجه العالم نحو حرب عالمية ثالثة بالمعنى التقليدي الذي عرفه القرن العشرون، حيث تتواجه الجيوش النظامية في ساحات قتال مفتوحة، وإنما يتجه نحو نمط جديد من الصراع العالمي المركب، تتداخل فيه المواجهات العسكرية المحدودة مع الضغوط الاقتصادية، والحروب السيبرانية، والتنافس التكنولوجي، والصراع على الطاقة وسلاسل الإمداد، إلى جانب توظيف القوى الوكيلة في إدارة النزاعات الإقليمية.

وفي ظل إستمرار الردع النووي المتبادل، تبدو القوى الكبرى أكثر حرصاً على تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، مع السعي في الوقت ذاته إلى إستنزاف الخصوم عبر أدوات صراع أقل تكلفة وأكثر إستدامة، ومن ثم، فإن أخطر ما يواجه النظام الدولي اليوم ليس إندلاع حرب عالمية شاملة، بقدر ما هو ترسيخ حالة من عدم الاستقرار المزمن، تعيد تدريجياً تشكيل موازين القوى، وتدفع العالم نحو نظام دولي جديد تتراجع فيه الهيمنة الأحادية لصالح توازنات أكثر تعقيداً وتعددية.

أين تقف الصين من هذا الصراع:

تمثل الصين العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل الصراع العالمي، فلا ترغب بكين إنتصار روسي كامل يزعزع الإستقرار الدولي، ولا في هزيمة روسية تؤدي لتعزيز الهيمنة الغربية بصورة مطلقة.

كما تسعى بكين إلى إستثمار استمرار الحرب في تعزيز موقعها كقوة دولية منافسة للولايات المتحدة الأمريكية، مع تجنب تحمل كلفة المواجهة المباشرة.

لذلك تواصل الصين تبني سياسة تقوم على دعم الشراكة مع موسكو سياسياً واقتصادياً، دون الإنخراط العسكري المباشر، مع التركيز - في الوقت نفسه - على ملفات أخرى مثل: منطقة المحيطين الهندي والهادى وتايوان.

الشرق الأوسط والحرب المحتملة:

لن يكون الشرق الأوسط بعيداً عن تداعيات أي تصعيد عالمي، فالمنطقة تمثل أحد أهم مصادر الطاقة العالمية، وتضم قواعد عسكرية أمريكية وروسية وغربية، فضلاً عن إرتباطها بالممرات البحرية الدولية.

وحال توسع الصراع بين روسيا والغرب، فمن المرجح أن تشهد المنطقة إرتفاعاً في أسعار الطاقة، وإضطراباً في سلاسل الإمداد، وتزايداً في المنافسة على النفوذ، مع إحتمال تصاعد استخدام الوكلاء الإقليميين في إدارة الصراعات.

تشير المعطيات الراهنة إلى أن العالم يعيش بالفعل مرحلة تشبه إلى حد بعيد بدايات حرب باردة جديدة، تتداخل فيها المنافسة العسكرية مع الصراع الاقتصادي والتكنولوجي والمعلوماتي، إلا أن ذلك لا يعني أن الحرب العالمية الثالثة أصبحت حتمية، فالردع النووي، وتشابك المصالح الاقتصادية، وحرص القوى الكبرى على تجنب المواجهة المباشرة، كلها عوامل ما زالت تؤجل الأنفجار الكبير.

مع ذلك، فاستمرار التصعيد في أوكرانيا، وإرتفاع مستويات التوتر بين روسيا وحلف "الناتو"، واتساع رقعة المنافسة الدولية، يجعل العالم يقف على حافة مرحلة تاريخية شديدة الحساسية، قد تحدد شكل النظام الدولي لعقود مقبلة.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في إحتمال إندلاع حرب عالمية ثالثة بالمعنى التقليدي، وإنما في استمرار حالة "الحرب العالمية غير المعلنة"، التي تتداخل فيها أدوات القوة العسكرية مع الضغوط الاقتصادية، والهجمات السيبرانية، والذكاء الإصطناعي، والصراع على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد، إنها حرب متعددة الجبهات، قد لا تعلن رسمياً، لكنها تعيد بالفعل رسم ملامح النظام الدولي الجديد.