مع بداية كل عام دراسي جديد، تمتلئ المدرجات والجامعات بوجوه جديدة، وأحلام جديدة، وطموحات ربما لا يعرف أصحابها بعد إلى أين ستقودهم.

وفي كل عام، أتذكر شيئًا أقوله دائمًا لطلابي:

لا تجعل هدفك أن تكون طالبًا يعرف الإجابة فقط... اجعل هدفك أن تكون إنسانًا يعرف كيف يفكر.

فالعالم الذي سيدخل إليه أبناؤنا بعد التخرج لن يسألهم فقط: ماذا درست؟
بل سيسألهم: ماذا تستطيع أن تفعل بما تعلمته؟

وهنا تأتي أهمية الـ Soft Skills.

قد تعرف أكثر من غيرك، ولكن هل تستطيع أن تتواصل؟
قد تكون صاحب أعلى تقدير، ولكن هل تستطيع أن تعمل داخل فريق؟
قد تكون لديك المعرفة، ولكن هل تستطيع أن تعرض فكرتك، وتدافع عنها، وتستمع لمن يختلف معك؟
هل تستطيع أن تتعامل مع الضغط؟ أن تتقبل النقد؟ أن تقود؟ وأن تبدأ من جديد عندما تفشل؟

هذه المهارات لم تعد رفاهية إضافية إلى جانب الدراسة... بل أصبحت جزءًا أساسيًا من النجاح.

لكن هناك مهارة أخرى أعتقد أننا نحتاج أن نزرعها في أبنائنا منذ سنوات الدراسة الأولى:

: الابتكار

أن يكون لديك فضول لتسأل:
"ماذا لو فعلناها بطريقة مختلفة؟"

أن ترى مشكلة لا يراها الآخرون، أو ترى حلًا لمشكلة اعتاد الجميع على وجودها.

وأحيانًا، أكبر عقبة أمام الفكرة الجديدة ليست أن تكون الفكرة صعبة... وإنما أن صاحبها يخاف منها.

يخاف أن يقولها فيضحك الآخرون.
يخاف أن يفشل.
يخاف أن يسبقه أحد.
أو يخاف أن يأخذ شخص آخر فكرته وينسبها إلى نفسه.

وهنا أقول دائمًا لطلابي:

لا تخافوا من أن تُسرق الفكرة.

نعم، احموا حقوقكم، ووثقوا أعمالكم، وانسبوا الفضل إلى أصحابه. لكن لا تجعلوا الخوف من الآخرين يمنعكم من أن تبدأوا.

لأن الفكرة في حد ذاتها ليست كل شيء.

قد يستطيع شخص أن يأخذ منك headline الفكرة...
قد يقلد الشكل، أو يعيد صياغة الكلام، أو يحاول أن يقدم شيئًا يشبه ما بدأت به.

لكن هناك أشياء لا يستطيع أن يأخذها منك.

لا يستطيع أن يسرق الشغف الذي جعلك تفكر فيها من البداية.

ولا يستطيع أن يسرق الحب الذي وضعته في تفاصيلها.

ولا يستطيع أن يسرق إيمانك بأن فكرتك يمكن أن تصنع فرقًا.

ولا يستطيع أن يسرق الرحلة التي عشتها حتى وصلت إليها.

ولهذا، عندما يقلدك أحد، لا تجعل أول سؤال في ذهنك:

"لماذا أخذ فكرتي؟"

اجعل السؤال:

"ماذا سأفعل أنا بالفكرة التي ما زلت أملك شغف تطويرها؟"

لأن المقلد قد يأخذ منك فكرة، لكنه لا يستطيع أن يأخذ منك القدرة على إنتاج الفكرة التالية.

وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين صاحب الفكرة ومن يكتفي بتقليدها.

صاحب الفكرة لا يتوقف عند فكرة واحدة.

أما من يعيش على أفكار الآخرين، فيظل دائمًا خطوة خلفهم.

وأنا أؤمن أن الإنسان الذي يبني نفسه بالعلم، ويطوّر مهاراته، ويقرأ، ويسأل، ويجرب، ويفشل، ويتعلم، ويعيد المحاولة... لن تكون قيمته في فكرة واحدة.

قيمته في قدرته على صناعة الأفكار.

ولهذا، في بداية العام الدراسي، أتمنى ألا ينشغل أبناؤنا فقط بالحصول على أعلى الدرجات، وإنما ببناء أنفسهم.

اقرأوا أكثر.
اسألوا أكثر.
تحدثوا مع أشخاص مختلفين عنكم.
اشتغلوا في فرق.
تعلموا كيف تقدمون أفكاركم.
تعلموا كيف تستمعون للنقد.
جربوا أشياء جديدة.
ولا تخافوا من الفشل.

والأهم..

صدقوا في أنفسكم.

ليس معنى أن شخصًا لم يؤمن بفكرتك أنها فكرة سيئة.

وليس معنى أن أحدًا سبقك في تنفيذها أنك لا تستطيع أن تقدم شيئًا مختلفًا.

وليس معنى أن الطريق تأخر أنك لن تصل.

آمن بنفسك، واعمل على نفسك، وخذ بالأسباب... وآمن أيضًا أن رزقك ونتيجة تعبك ليست في يد البشر.

فأنا دائمًا أقول لطلابي:

"صدقوا في نفسكم، وصدقوا في ربنا."

فالله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

وأحيانًا أعتقد أننا نحتاج أن نتوقف قليلًا أمام كلمة "أحسن".

فليس المطلوب فقط أن نعمل.

المطلوب أن نُحسن العمل.

أن نعطي الفكرة حقها.
أن نعطي العلم حقه.
أن نعطي الناس حقهم.
أن نحترم الوقت.
أن نحترم مجهود الآخرين.
وأن نفعل ما نستطيع بأفضل صورة ممكنة.

الإحسان ليس أن تكون أفضل من غيرك...
الإحسان أن تقدم أفضل ما تستطيع.

ومع بداية عام دراسي جديد، أتمنى أن يكون طموحنا أكبر من تخريج طالب يحمل شهادة.

نريد إنسانًا يعرف كيف يفكر، وكيف يتواصل، وكيف يبتكر، وكيف يقود، وكيف يحترم مجهود الآخرين، وكيف يحول الفكرة إلى عمل.

نريد شابًا لا يخاف أن تكون لديه فكرة مختلفة.

ولا يخاف أن يبدأ.

ولا يخاف أن يفشل.

ولا يتوقف إذا سبقه أحد.

لأنه يعرف أن الإنسان الذي يمتلك العلم، والمهارة، والشغف، والإيمان... يستطيع دائمًا أن يبدأ من جديد.

وقد تُسرق منك فكرة...

لكن لا تسمح أبدًا أن يُسرق منك شغفك.

قد يقلد أحدهم ما صنعت...

لكن لا تسمح له أن يجعلك تتوقف عن صناعة ما هو قادم.

ففي النهاية، المستقبل لن يكون لمن امتلك فكرة واحدة فقط...

بل لمن امتلك القدرة على أن يصنع الفكرة التي بعدها.

ومع بداية عام دراسي جديد، ربما تكون أهم نصيحة يمكن أن نعطيها لأبنائنا:

تعلموا، طوّروا أنفسكم، ابتكروا، أحسنوا العمل... ولا تخافوا أن تكونوا مختلفين.

فما دام الإنسان يعمل بصدق، ويجتهد، ويحسن ما يستطيع، ويضع نيته في المكان الصحيح...

فالله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.