لم يعد قطع العلاقات بين الجزائر والإمارات مجرد أزمة دبلوماسية عابرة بين دولتين عربيتين، بل أصبح واحدًا من أكثر مظاهر الانقسام العربي إثارة للقلق، خصوصًا أنه يأتي في وقت تعيش فيه المنطقة سلسلة متشابكة من الأزمات والصراعات التي تحتاج إلى قدر أكبر من التنسيق، لا إلى مزيد من القطيعة.

فالقرار الجزائري لم يأتِ، على ما يبدو، نتيجة حادث منفرد، وإنما جاء بعد تراكم طويل من الخلافات حول ملفات إقليمية وأمنية وسياسية، وصلت في النهاية إلى مرحلة رأت فيها الجزائر أن أدوات التحذير والاحتجاج الدبلوماسي لم تعد كافية.

وقد أعلنت الجزائر أن القطيعة جاءت بعد استنفاد الوسائل للحفاظ على العلاقات، بينما عبّرت أبوظبي عن أملها في أن يكون الانقسام مؤقتًا.

ما الذي يقف خلف التصعيد؟

تأتي قضية الصحراء الغربية في مقدمة الملفات الحساسة بين الطرفين. فالجزائر تعتبر القضية جزءًا من أمنها الإقليمي، بينما ترتبط الإمارات بعلاقات وثيقة مع المغرب، وتتخذ مواقف تتقاطع مع الرؤية المغربية للقضية.

وفي الحسابات الجزائرية، لا يمكن فصل هذا الملف عن المنافسة الأوسع على النفوذ في المغرب العربي؛ إذ ترى الجزائر أن لها دورًا تاريخيًا وأمنيًا بحكم الجغرافيا والحدود، بينما أصبحت الإمارات لاعبًا اقتصاديًا وسياسيًا أكثر حضورًا في المنطقة والقارة الأفريقية.

ومع اختلاف مواقف الطرفين من عدد من أزمات المنطقة، تتسع مساحة التنافس بينهما.

فلسطين والتطبيع.. خلاف آخر

ولا يمكن تجاهل القضية الفلسطينية والتطبيع مع إسرائيل باعتبارهما أحد أوجه التباين في رؤية البلدين للنظام الإقليمي.

فالجزائر ما زالت تتبنى موقفًا شديد الارتباط بالقضية الفلسطينية، بينما اختارت الإمارات مسارًا مختلفًا بإقامة علاقات مع إسرائيل.

وأصبح هذا الاختلاف جزءًا من تباين أوسع في رؤية كل طرف لشكل النظام الإقليمي الجديد، وطبيعة التحالفات والعلاقات التي ينبغي أن تحكم المنطقة.

لكن الملف الأكثر حساسية يظل ما يرتبط باتهامات التدخل في الشأن الداخلي.

فعندما ترى دولة أن دولة أخرى تتجاوز حدود الخلاف في السياسة الخارجية إلى التأثير في أمنها الداخلي، يتحول الأمر بالنسبة إليها من مجرد اختلاف في وجهات النظر إلى قضية سيادة وأمن قومي.

ومن هنا يمكن فهم توقيت القطيعة، وفق هذا الطرح، باعتبارها رسالة تتجاوز التعبير عن الغضب إلى التأكيد على أن قواعد العلاقة باتت بحاجة إلى إعادة صياغة.

هل القطيعة دائمة؟

لكن السؤال الأهم: هل هذه القطيعة مرشحة للاستمرار؟

في تقديري، لا ينبغي أن تكون كذلك.

فالخلافات بين الدول لا تعني بالضرورة استحالة المصالحة، خصوصًا عندما تكون المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية المشتركة أكبر من قدرة القطيعة على الاستمرار.

لكن المصالحة لن تبدأ بإعادة السفراء مباشرة، وإنما بخفض التصعيد أولًا، ثم فتح قناة اتصال سياسية وأمنية هادئة، بعيدًا عن الإعلام، تسمح لكل طرف بتحديد مخاوفه وخطوطه الحمراء.

وبعد ذلك، يمكن فصل الملفات؛ فمن الممكن أن تختلف الجزائر مع الإمارات حول إسرائيل، وأن تختلف الإمارات مع الجزائر حول الصحراء أو الساحل، لكن يجب ألا يتحول الاختلاف إلى استهداف متبادل.

وهنا يمكن أن تلعب دولة عربية تحظى بثقة الطرفين دورًا في تقريب وجهات النظر، ليس من خلال مؤتمر أو وساطة علنية كبيرة، وإنما عبر وساطة هادئة وتدرج في إعادة بناء الثقة.

فالعودة إلى العلاقات الكاملة يمكن أن تأتي لاحقًا، بعد استعادة الحد الأدنى من الثقة، وربما تبدأ باتصالات رسمية، ثم تمثيل دبلوماسي محدود، ثم إعادة السفراء.

متى ينتهي الصدع العربي؟

لكن هناك قضية أكبر من الجزائر والإمارات: متى ينتهي الصدع العربي؟

لا يمكن أن يكون الحل في أن تتفق الدول العربية على كل شيء؛ فهذا غير واقعي. فالدول لديها مصالحها وحساباتها وتحالفاتها.

المطلوب هو أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتخاصم، ونتخاصم دون أن نقطع العلاقات، ونتفاوض قبل أن نصل إلى القطيعة.

فالمنطقة العربية تواجه أزمات أكبر من أن تتحمل مزيدًا من الانقسامات: فلسطين، السودان، ليبيا، اليمن، سوريا، أمن البحر الأحمر، الإرهاب، الاقتصاد، والمنافسة الدولية على المنطقة.

ومن الخطأ أن تتحول الخلافات العربية إلى صراع نفوذ تستنزف فيه الدول بعضها بعضًا، بينما تتحرك قوى أخرى لرسم مستقبل المنطقة.

المصالحة.. اختبار لإدارة الخلاف

إن المصالحة الجزائرية ـ الإماراتية، إذا بدأت يومًا، ستكون أكثر من مجرد عودة للعلاقات بين عاصمتين؛ ستكون اختبارًا لقدرة العرب على بناء قواعد لإدارة الخلاف العربي.

فالخلاف طبيعي، أما أن يتحول كل خلاف إلى قطيعة، فهذه ليست قوة في السياسة، بل عجز عن إدارة الاختلاف.

وفي النهاية، لا تحتاج الجزائر إلى أن تنتصر على الإمارات، ولا تحتاج الإمارات إلى أن تنتصر على الجزائر.

ما تحتاجه المنطقة هو أن ينتصر منطق الحوار على منطق القطيعة، وأن تدرك العواصم العربية أن اختلاف المصالح لا يعني بالضرورة اختلاف المصير.