منذ أيام، حطّت طائرة الرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن لعقد قمته الثانية مع نظيره الأمريكي، في لقاء لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل محطة في صراع أعمق بدأ ملامحه تتشكل منذ سنوات: صراع على شكل النظام العالمي نفسه، هل يبقى أحادي القطب بقيادة أمريكا، أم يتحول إلى نظام ثنائي أو متعدد الأقطاب تشارك فيه الصين وروسيا؟
خطوط حمراء لا تُمس
قبل القمة، كان لكل طرف قائمة واضحة بما لا يمكن التفاوض عليه. بالنسبة للصين: لا اعتراف بأي شكل من أشكال استقلال تايوان، لأنها ليست فقط قضية سيادة دستورية، بل مركز صناعة الرقائق الإلكترونية التي تقوم عليها صناعة الذكاء الاصطناعي عالميًا. كذلك، لن تتخلى بكين عن موسكو، لأن الانفراد بمواجهة واشنطن يعني خسارة استراتيجية كبرى. وأخيرًا، لا تنازل عن النفوذ في بحر الصين الجنوبي، الممر الذي يمر عبره نحو ثلث التجارة العالمية، والمحاصر بقواعد أمريكية في اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين.
في المقابل، رفضت واشنطن التفاوض على نقل تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة للصين، أو التخلي عن دعم تايوان الذي يضمن لها الوصول لتقنية تصنّع 90% من رقائق العالم، أو التنازل عن حلفائها الإقليميين.
ما الذي تحرك فعلًا؟
النتيجة الملموسة للقمة جاءت في هوامش هذه الخطوط الحمراء لا في قلبها: تمديد وقف الرسوم الجمركية حتى بداية العام المقبل مع تخفيض بقيمة 30 مليار دولار، مقابل التزام صيني بشراء منتجات أمريكية كفول الصويا وطائرات بوينغ. أما ملف المعادن النادرة، التي تسيطر الصين على نحو 70% من إنتاجها العالمي وتدخل في صناعات الذكاء الاصطناعي والصناعات الثقيلة، فانتهى بتفاهم على تأجيل القيود الصينية، مقابل فتح باب اجتماعات مستقبلية حول الذكاء الاصطناعي بين الجانبين. وبخصوص تايوان، لم تُبدِ واشنطن أي تراجع في التزامها بدعم الجزيرة، وهي النقطة التي تُحسب لصالحها في حصيلة هذه الجولة.
من غزة إلى إيران: أين يتقاطع هذا مع منطقتنا؟
هنا تكمن القراءة الأهم لفهم ما يجري في الشرق الأوسط. فبينما تسعى واشنطن لاستنزاف الصين وروسيا اقتصاديًا وعسكريًا، تجد بكين وموسكو في الاضطرابات الإقليمية - من غزة إلى إيران - فرصة لاستنزاف النفوذ الأمريكي في المقابل. هذه ليست وقائع مؤكدة بقدر ما هي قراءة تحليلية لمسار الأحداث، لكنها قراءة تستند إلى نمط متكرر: كلما تصاعدت المواجهة بين القوى الكبرى على الساحة الاقتصادية والتكنولوجية، تصاعدت معها الحروب بالوكالة في نقاط الاشتعال الإقليمية.
هذا النمط من الصراع غير المباشر ليس جديدًا. فمنذ عام 2011، ومع اندلاع موجة الاحتجاجات التي عُرفت بـ"الربيع العربي"، برزت قراءة ترى أن ما جرى تقاطع مع مفاهيم طرحتها شخصيات أمريكية وإسرائيلية بارزة سابقًا، مثل "الفوضى الخلّاقة" التي تحدثت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق كوندوليزا رايس عام 2005 في سياق نشر الديمقراطية بالشرق الأوسط عبر إعادة تشكيله، و"الشرق الأوسط الجديد" الذي طرحه شمعون بيريز في كتابه الصادر عام 1993، واستحضره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حين رفع خريطة بهذا العنوان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2023. هذا التقاطع بين المفاهيم والأحداث يفتح الباب أمام قراءات متعددة لدور القوى الخارجية في تشكيل مسار المنطقة، دون أن يكون بالضرورة دليلاً حاسمًا على تخطيط مسبق لكل حدث بعينه.
ماذا بعد؟ قراءة لما هو قادم
من زاوية تحليلية، هناك مؤشرات على تراجع شعبية الحزب الجمهوري داخليًا في الولايات المتحدة، وهو ما قد يرجّح - وفق نمط سياسي متكرر وإن لم يكن قاعدة ثابتة تاريخيًا - فوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات المقبلة. وإذا صحّ هذا التوقع، فإن التاريخ الحديث يشير إلى أن التوترات بالوكالة في الشرق الأوسط غالبًا ما تتصاعد في مثل هذه المراحل، سواء عبر إحياء نشاط جماعات مسلحة أو تأجيج انقسامات داخلية، بما يخدم أهدافًا متعددة الأطراف: تمكين واشنطن من الحفاظ على نفوذها في المنطقة، وفي الوقت ذاته منع أي تمدد اقتصادي صيني أو روسي إلى دول مثل مصر عبر نقل مراكز صناعية إليها.
في ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للدول العربية أن تحمي مصالحها وسط تجاذب القوى الكبرى، بدلًا من أن تتحول ساحاتها إلى مسرح لصراعات لا ن
اقة لها فيها ولا جمل؟
