لا يمكن اختزال بيب جوارديولا في كونه مجرد عبقري تكتيكي أعاد اختراع كرة القدم الحديثة، أو "ماكينة" لحصد البطولات أينما حل وارتحل، خلف هذا الوجه الصارم والبدلات الأنيقة على خط التماس، يقبع رجل يؤمن بأن صوته كإنسان أهم بكثير من صوته كمدرب، وبأن كرة القدم ليست "جزيرة معزولة" عن آلام ومعاناة الشعوب.
ارتبط اسم جوارديولا ارتباطاً وثيقاً بقضية "استقلال إقليم كاتالونيا".. بالنسبة لبيب، الأمر ليس مجرد سياسة، بل هو هوية وجذور، لم يكتفِ بيب بالتصريح بموقفه، بل كان دائماً في الخطوط الأمامية؛ شارك في المظاهرات، وأدلى بصوته في الاستفتاءات التي اعتبرتها مدريد غير قانونية، بل ووصل به الأمر إلى ارتداء "الشريط الأصفر" الشهير على صدره خلال مباريات الدوري الإنجليزي الممتاز.. هذا الشريط، الذي يرمز للمطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين الكاتالونيين، كلفه غرامات مالية وتحذيرات من الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، الذي يمنع الرسائل السياسية على الملاعب؛ لكن رد جوارديولا كان حاسماً: "أنا مدرب، لكنني إنسان قبل كل شيء.. إذا أرادوا تغريمي أو إيقافي، فليفعلوا، لكنني لن أتخلى عن مبادئي".
مواقف جوارديولا لم تتوقف عند حدود إقليمه؛ ففي السنوات الأخيرة، برز صوته بقوة في القضايا الإنسانية العالمية، كان بيب من أوائل الرياضيين الذين انتقدوا الصمت الدولي اتجاه الأزمات الإنسانية في الشرق الأوسط، وتحديداً في فلسطين، في عدة مؤتمرات صحفية، لم يتردد في التعبير عن تعاطفه مع الضحايا المدنيين، داعياً العالم للنظر بإنصاف لما يحدث من دمار.
كما عُرف عنه دعمه للمنظمات غير الحكومية التي تنقذ المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط، مثل منظمة "Open Arms".
يرى جوارديولا أن كرة القدم تفقد قيمتها إذا لم تكن وسيلة لتسليط الضوء على من لا صوت لهم، ضريبة الصراحة وتهمة "الازدواجية" بالطبع، لم تمر مواقف بيب دون انتقادات لاذعة، يتهمه خصومه دائماً بـ "ازدواجية المعايير"، خاصة فيما يتعلق بعمله لسنوات طويلة مع أندية مملوكة لجهات تُنتقد في ملفات حقوق الإنسان.
يواجه بيب هذا السؤال دائماً بهدوء، محاولاً الفصل بين الجانب المهني الرياضي وبين قناعاته الشخصية التي يطرحها في الفضاء العام، مؤكداً أن الكمال غير موجود، لكن الصمت هو الجريمة الأكبر.
