في بلدٍ يتنفس كرة القدم، غالبًا ما تبتلع هتافات الجماهير في الملاعب الكبرى أسماء أبطالٍ آخرين سطروا تاريخًا لا يقل مجدًا، هم "الأبطال المنسيون" الذين رفعوا علم مصر في المحافل الدولية حين كانت الإمكانيات صفرًا، والعزيمة وحدها هي المحرك، لم يطاردوا عقود الاحتراف بـ "الملايين"، بل طاردوا حلمًا وطنيًا في صالات ضيقة وظروف قاسية، تاركين إرثاً يستحق أن يُروى.
لا يمكن الحديث عن المجد المنسي دون ذكر خضر التوني، بطل رفع الأثقال الذي صدم العالم في أولمبياد برلين 1936.. في وقت كانت فيه الماكينة الألمانية تروج لتفوق "العرق الآري"، اكتسح التوني المنافسين محطماً الرقم القياسي العالمي بمجموع $387.5$ كجم، متفوقاً على صاحب المركز الثاني بفارق $35$ كجم كاملة.
يُذكر أن "أدولف هتلر" من شدة ذهوله، طلب مقابلة التوني شخصياً قائلاً له: "أتمنى لو كنت ألمانياً". ورغم إطلاق اسمه على شارع في القاهرة، إلا أن الكثيرين من جيل اليوم لا يعرفون أن هذا الرجل كان يُصنف "أقوى رجل في العالم" لسنوات طويلة.
بطلٌ آخر عاش حياة سينمائية وانتهت مأساوية، فريد سميكة، الذي حصد لمصر فضية وبرونزية في أولمبياد أمستردام 1928 في الغطس، لم يكن مجرد رياضي، بل كان سفيرًا للرقي المصري؛ سافر إلى هوليوود وعمل كمدرب للنجوم وممثل بديل في الأفلام؛ لكن نهايته كانت الأكثر إيلاماً، حيث تطوع كطيار في الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية ضد اليابان، وقُتل هناك، بطلٌ عالمي ضاع ذكره بين طيات الحروب وتجاهل السجلات الرياضية المحلية لسنوات.
رغم شهرته النسبية لدى كبار السن، إلا أن عبد اللطيف أبو هيف يظل مظلوماً في ذاكرة الأجيال الجديدة، اختير "سباح القرن العشرين" عالمياً بعد فوزه بسباق المانش ثلاث مرات، وتحقيقه أرقاماً إعجازية في سباقات التحمل، لم يكن أبو هيف يسبح للميداليات فقط، بل كان يسبح من أجل القضايا الإنسانية، حيث تبرع بجوائزه المالية أكثر من مرة لأسر الضحايا والمحتاجين، مجسداً صورة البطل الرياضي "الإنسان".
يرجع خبراء الرياضة هذا النسيان إلى عدة عواملك طغيان كرة القدم على التغطية الإعلامية والتمويل،و غياب التوثيق المرئي والمكتوب لإنجازات ما قبل عصر الإنترنت، والتركيز على "البطل الحالي" بدلاً من بناء متاحف أو مناهج تخلد الرموز التاريخية.
إهؤلاء الأبطال ليسوا مجرد أسماء في سجلات قديمة؛ هم الدليل الحي على أن الجين المصري قادر على التفوق في أصعب الرياضات الفردية، إن تكريمهم الحقيقي ليس في إطلاق أسمائهم على شوارع فرعية، بل في غرس سيرهم في عقول الناشئين ليعرفوا أن طريق المجد بدأ قبل "صلاح" بقرن من الزمان.
