تشهد الأسواق العالمية حالة من الاضطراب غير المسبوق مع تصاعد التوترات العسكرية المرتبطة بـ الحرب ضد إيران، ما انعكس بشكل مباشر على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق الاقتصاد العالمي إلى أزمة طاقة حادة قد تتجاوز في تأثيرها أزمتي السبعينيات.

وفي قلب المشهد، لعبت التصريحات السياسية دورًا محوريًا في توجيه تحركات الأسواق، إذ تسببت رسائل قصيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته Truth Social في تقلبات فورية بأسعار النفط والبورصات العالمية، ما يعكس هشاشة الأسواق أمام التطورات الجيوسياسية.

تقلبات حادة في أسعار النفط والغاز

ارتفعت الأسواق مؤقتًا عقب إعلان ترامب تأجيل مهلة موجهة لإيران، فيما شهدت أسعار النفط تراجعًا محدودًا قبل أن تعاود الارتفاع مع تصاعد التهديدات العسكرية.

وخلال شهر واحد فقط من اندلاع المواجهة، قفزت أسعار النفط بصورة حادة، حيث ارتفع خام برنت بنحو 55% متجاوزًا 110 دولارات للبرميل، بينما اقترب الخام الأمريكي من حاجز 100 دولار، وهو أعلى مستوى منذ عام 2022. كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بأكثر من 70%، في مؤشر واضح على الضغوط الكبيرة التي يتعرض لها قطاع الطاقة عالميًا.

موجة تضخم تضرب القطاعات الصناعية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على أسواق الطاقة فحسب، بل امتدت إلى قطاعات صناعية متعددة. وأظهرت تحليلات اقتصادية تأثر نحو 15 مجموعة من المنتجات بارتفاع الأسعار، من بينها المواد الخام للصناعات الكيميائية والأسمدة والبلاستيك والمعادن، مع زيادات تراوحت بين 10% و50%.

وتحتل منطقة الخليج موقعًا محوريًا في هذه التطورات، نظرًا لاعتماد العالم عليها في إنتاج مواد أساسية مثل الأمونيا واليوريا والكبريت. وقد أدى تعطل الإنتاج في بعض الدول، مثل قطر، إلى تقليص أو توقف إنتاج الأسمدة في دول مثل الهند وباكستان والبرازيل، ما يهدد الأمن الغذائي العالمي.

الهيليوم.. أزمة غير مباشرة تهدد أشباه الموصلات

يبرز غاز الهيليوم كأحد الضحايا غير المباشرين للأزمة، إذ يُنتج نحو 40% من الإمدادات العالمية منه من الغاز الطبيعي في الخليج. ويُستخدم الهيليوم بشكل رئيسي في صناعة أشباه الموصلات، ما يعني أن أي نقص محتمل قد يؤدي إلى تعطيل إنتاج الرقائق الإلكترونية، خاصة في آسيا.

ورغم عدم وجود نقص فعلي في المواد الخام حتى الآن، فإن مجرد توقع حدوث عجز في الإمدادات كان كافيًا لدفع الأسعار إلى الارتفاع، في دلالة على الحساسية الشديدة للأسواق تجاه المستجدات السياسية والعسكرية.

تحذيرات من أزمة نفط مزدوجة

حذّرت وكالة الطاقة الدولية (IEA) من احتمال وقوع أزمة نفط مزدوجة تهدد الاقتصاد العالمي. وأكد مديرها فاتح بيرول أن استمرار التصعيد قد يقود إلى أزمة تفوق في حدتها أزمتي النفط في سبعينيات القرن الماضي مجتمعتين.

وتتفاقم المخاطر مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز عالميًا، حيث أدى إغلاقه إلى تكدس نحو 2000 سفينة وتعطل سلاسل الإمداد، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري.

حقل South Pars ورأس لفان في بؤرة التوتر

يمثل South Pars Gas Field نقطة حساسة في الأزمة، إذ يُعد أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، ويشكل نحو 70% من إنتاج الغاز في إيران. وأي استهداف له قد يفاقم أزمة الطاقة داخليًا، مع احتمالات انقطاع واسع للكهرباء.

في المقابل، تعتمد قطر بشكل كبير على هذا الحقل في تصدير الغاز الطبيعي المسال، ويشكل مجمع رأس لفان نحو 20% من تجارة الغاز المسال عالميًا، ما يعني أن أي اضطراب هناك قد ينعكس مباشرة على إمدادات الطاقة، خصوصًا في الأسواق الآسيوية.

تداعيات واسعة على الدول النامية

امتدت تداعيات الأزمة إلى الدول النامية، لا سيما في أفريقيا، حيث أثار ارتفاع أسعار الأسمدة مخاوف من تراجع الإنتاج الزراعي وتهديد الأمن الغذائي. كما تواجه هذه الدول ضغوطًا مالية متزايدة نتيجة ارتفاع تكلفة استيراد الوقود، ما يؤدي إلى تصاعد الدين العام ومعدلات التضخم.

وفي أمريكا اللاتينية، بدأت آثار الأزمة تتجلى بوضوح، رغم أن بعض دول المنطقة منتجة للنفط، إذ تعتمد بشكل عام على استيراد الوقود المكرر. وقد أدى ارتفاع الأسعار إلى ضغوط تضخمية متنامية، دفعت الحكومات إلى خيارات صعبة بين دعم الوقود أو مواجهة الغضب الشعبي.

اضطرابات مالية وتوقعات قاتمة

شهدت الأسواق المالية العالمية تراجعات حادة، حيث تكبدت البورصات الأوروبية والآسيوية والأمريكية خسائر ملحوظة، نتيجة المخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي وارتفاع التضخم، إلى جانب توقعات برفع أسعار الفائدة.

في ظل هذه المعطيات، تبدو أزمة الطاقة الحالية مرشحة لمزيد من التفاقم، خاصة مع استمرار التوترات العسكرية وغياب أفق واضح للحلول السياسية. وبين رهانات التهدئة بفعل الضغوط الاقتصادية وتحذيرات من مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، يقف العالم أمام اختبار اقتصادي صعب تقوده هذه المرة تطورات أسواق الطاقة.