في صباحٍ تتعانق فيه الشمس مع نسيمٍ رقيق، يخرج المصريون إلى الحدائق وضفاف النيل حاملين بيضًا ملوّنًا وفسيخًا وبصلًا أخضر، يحتفلون بعيدٍ ضاربٍ في عمق التاريخ اسمه «شم النسيم». عيدٌ لم تصنعه مناسبة دينية ولا ارتبط بعقيدة بعينها، بل وُلد من رحم الطبيعة، فصار أقدم احتفال شعبي مستمر عرفته الإنسانية.
احمد السنجيدي ل "خمسة سياسة" فوائد الدين العام تلتهم 80% من إ...
جذور فرعونية
تعود بدايات شم النسيم إلى ما يقرب من خمسة آلاف عام، وتحديدًا إلى أواخر الأسرة الثالثة الفرعونية نحو عام 2700 قبل الميلاد، وإن رجّح بعض المؤرخين أن الاحتفال به عرفته مدينة أون (هليوبوليس) في عصور أقدم. وقد أطلق عليه المصريون القدماء اسم «شمو»، وهي كلمة هيروغليفية تعني بعث الحياة أو عيد الخلق، إذ اعتقدوا أن هذا اليوم يرمز إلى بدء الزمان وتجدد الكون.
ارتبط العيد بالاعتدال الربيعي، حين يتساوى الليل والنهار ، في الحادي والعشرين من مارس. وفي هذا التوقيت كان المصريون يتجمعون أمام الواجهة الشمالية للهرم الأكبر قبيل الغروب، ليشهدوا مشهدًا فلكيًا مهيبًا؛ إذ تبدو الشمس وكأنها تستقر فوق قمة الهرم، ثم تخترق أشعتها واجهته فتبدو منقسمة إلى شطرين في لحظة بصرية آسرة لا تزال تتكرر مع كل ربيع.
من «شمو» إلى «شم النسيم»
على مرّ العصور، تحوّر الاسم من «شمو» إلى «شم»، ثم أُضيفت إليه كلمة «النسيم» في العصر القبطي، تعبيرًا عن اعتدال الطقس وطيب الهواء الذي يميز هذا الفصل. وهكذا صار العيد مرتبطًا بالخروج إلى الطبيعة، واستقبال الربيع بين الزهور والمياه والخضرة.
ومع دخول المسيحية إلى مصر، تزامن عيد القيامة مع موعد الاحتفال القديم، فأصبح شم النسيم يأتي في اليوم التالي له، دون أن يفقد طابعه الشعبي الجامع لكل المصريين. إنه مناسبة يتساوى فيها الجميع، تتوارثها الأجيال بوصفها جزءًا من الهوية الوطنية.

طقوس وأطعمة.. رموز للحياة
لا يكتمل شم النسيم دون مائدة تحمل رموزه المتوارثة. فالبيض، الذي كان المصري القديم ينقش عليه أمنياته ويعلّقه في سعف النخيل انتظارًا لبركة شروق الشمس، ظل رمزًا لخلق الحياة من الجماد. ومع الزمن تحولت النقوش إلى ألوان وزخارف بهيجة، وصار البيض الملون علامة مميزة لأعياد الربيع في العالم.
أما الفسيخ، وهو السمك المملح، فقد عرفته مصر منذ الأسرة الخامسة، حين برع المصريون في حفظ الأسماك وتجفيفها. وكان تناوله تعبيرًا عن الخير والخصب المرتبطين بعطاء النيل. وإلى جانبه يحضر البصل الأخضر، الذي اعتبره القدماء رمزًا لقهر المرض وطرد الأرواح الشريرة، والخس الذي عُدّ نباتًا مقدسًا ودلالة على الخصوبة، فضلًا عن «الملانة» أو الحمص الأخضر، إشارةً إلى اكتمال نمو الزرع وبداية الربيع.
مهرجان شعبي متجدد
مع إشراقة صباح العيد، تتحول المدن والقرى إلى ساحات احتفال مفتوحة. تتجه الأسر إلى الحدائق والمتنزهات، وتفترش العائلات المساحات الخضراء، بينما يختلط عبق الزهور برائحة النيل. هو يوم للفرح الخالص، كما وصفته نصوص مصرية قديمة دعت الإنسان إلى أن يطرح الهموم خلفه ويستمتع بالغناء والرقص إلى أن يحين «يوم الرسو في الأرض التي تحب الصمت».
وفي بورسعيد، يظل تقليد «حرق اللمبي» شاهدًا على تداخل التاريخ الوطني بالاحتفال الشعبي، إذ يجوب الأهالي الشوارع بدمية ترمز إلى الجنرال البريطاني اللنبي، في طقس ساخر يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، تعبيرًا عن ذاكرة مقاومة امتزجت ببهجة العيد.

عيد يتجاوز الزمن
ما يميز شم النسيم أنه لم يفقد جوهره عبر القرون. تغيرت الدول وتعاقبت الحضارات، لكن المصريين ظلوا يحتفلون بالربيع بالطريقة ذاتها تقريبًا: خروج إلى الطبيعة، طعام له دلالة، وبهجة جماعية تتحدى الزمن.
في شم النسيم، لا يحتفل المصريون بيوم عابر في التقويم، بل يحتفلون بفكرة متجددة: أن الحياة قادرة دائمًا على أن تبدأ من جديد، وأن نسمة ربيع واحدة تكفي لتذكير أمة بتاريخها العريق وروحها التي لا تشيخ.
