مضى أكثر من عام ونصف على بدء الحرب الإسرائيلية على غزة، ومع ذلك تظل الأسئلة الجوهرية معلّقة بلا إجابات: هل تعود الحرب بشكل مفتوح؟ وماذا بعد وقف إطلاق النار؟ ومن يحكم غزة في اليوم التالي؟ في مايو 2026، يبدو المشهد أكثر تعقيداً مما كان عليه في أي وقت مضى — حرب ناعمة تسري تحت السطح، وتهديدات باستئناف العمليات، وأزمة إنسانية تتفاقم يوماً بعد يوم.
أولاً: ماذا يجري في غزة الآن؟
وقف إطلاق النار الهش
منذ أكتوبر 2025، يسري اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس — لكن "وقف إطلاق النار" هنا مصطلح يحتاج تدقيقاً. فالقصف لم يتوقف كلياً، والغارات متقطعة مستمرة. قُتل ثلاثة فلسطينيين اليوم الأحد في قصف إسرائيلي على جنوب ووسط غزة.
وعلى الجانب الإسرائيلي، تتصاعد وتيرة التهديدات باستئناف العمليات الشاملة. المجلس الوزاري المصغر "الكابينت" عقد اجتماعاً لمناقشة إمكانية استئناف العمليات العسكرية في قطاع غزة، في ظل موجة من التسريبات والتهديدات الصادرة عن مسؤولين عسكريين وسياسيين تلوح بالعودة إلى القتال، بزعم عدم التزام حركة حماس ببنود تتعلق بنزع السلاح.
حماس تعيد بناء قدراتها
وثيقة إسرائيلية قُدمت إلى القيادة السياسية تفيد بسعي حركة حماس لتأهيل قدراتها في قطاع غزة، عبر تجهيز عبوات ناسفة وإعداد صواريخ وتنفيذ تدريبات.
وتذهب التقديرات الإسرائيلية أبعد من ذلك. المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ترى أن حماس أعادت تموضعها على الأرض وشرعت في إعادة حفر الأنفاق وتوسيع عمليات التجنيد وتنفيذ تدريبات عسكرية، إضافة إلى إعادة ترميم ترسانتها القتالية.
الأنفاق: الجبهة الصامتة
الجيش الإسرائيلي فكّك 4 مسارات لأنفاق أرضية في جنوب قطاع غزة يبلغ طولها الإجمالي نحو 4 كيلومترات، بينها نفق كان يُستخدم لاحتجاز رهائن. وقبلها بأيام، أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير 8 أنفاق تحت الأرض في جنوب قطاع غزة يبلغ طولها الإجمالي أكثر من كيلومترين ونصف.
ثانياً: الوضع الإنساني — أرقام تصدم الضمير
قتلت إسرائيل أكثر من 72 ألف فلسطيني وأصابت أكثر من 172 ألفاً آخرين، في حين دمّرت 90% من مباني القطاع، وحشرت السكان في مساحة تقل عن 36% من مساحة القطاع.
على الصعيد الاقتصادي، بلغت معدلات البطالة في غزة نحو 68% وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، في وقت يعيش فيه أكثر من مليوني فلسطيني أوضاع نزوح قاسية داخل خيام ومبانٍ مدمرة، وسط نقص حاد في الخدمات الأساسية.
ولا تتوقف الأزمة عند أرقام الضحايا والتدمير. تحذر منظمات إنسانية من تدهور بيئي وصحي خطير داخل القطاع نتيجة تراكم النفايات والمياه الملوثة قرب مناطق النزوح، ما يرفع من مخاطر انتشار الأمراض.
ثالثاً: إسرائيل من الداخل — تصدعات عميقة
أزمة المقاتلين والرأي العام
ضابط إسرائيلي يكشف "أزمة أعمق": وزير الدفاع زامير حذر من نقص المقاتلين. هذا التحذير يكشف أن الجيش الإسرائيلي الذي يمثل أحد أقوى الجيوش في المنطقة بات يعاني من مشكلة بنيوية في تجديد صفوفه بعد أكثر من عام ونصف من الحرب المستنزفة.
قانون إعدام الفلسطينيين — موجة انتقادات دولية
أقرّ الكنيست الإسرائيلي قانوناً يتيح إعدام فلسطينيين مُدانين بتهم "الإرهاب"، في إجراء انتقدته بشدة دول أوروبية وجماعات حقوقية، فيما قالت الولايات المتحدة إنها تحترم حق إسرائيل في تحديد قوانينها الخاصة.
إسرائيل تُرحّل ناشطين دوليين
أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية ترحيل المواطن الإسباني سيف أبو كشك والبرازيلي تياغو أفيلا، بعد الانتهاء من التحقيق في مشاركتهما في أسطول كان متجهاً إلى غزة. هذه الخطوة زادت من حدة الانتقادات الأوروبية لسياسات إسرائيل.
التصعيد على لبنان
التصعيد الإسرائيلي لا يقتصر على غزة. مسؤول عسكري إسرائيلي كشف أن إسرائيل تدرس خطة لهدم البنية التحتية المدنية في البلدات والقرى اللبنانية التي تقع على بعد 2 إلى 3 كيلومترات من حدودها بهدف إنشاء منطقة عازلة.
رابعاً: السياق الإقليمي — الحرب داخل الحرب
ربط غزة بإيران
المشهد في غزة لا يمكن قراءته بمعزل عن الأزمة الأشمل في المنطقة. اجتماع الكابينت الإسرائيلي لم يقتصر على ملف غزة، بل امتد لبحث التوترات بين واشنطن وطهران والوضع الميداني في لبنان، إضافة إلى استعداد إسرائيل للتحرك عسكرياً ضد إيران بالتنسيق مع الولايات المتحدة إذا انهارت المفاوضات الجارية.
مجلس السلام الأمريكي
الإدارة الأمريكية طرحت مبادرة لتشكيل "مجلس سلام" برئاسة ترامب للإشراف على خطة لإنهاء الحرب في غزة، قبل أن يتوسع لاحقاً ليشمل ملفات نزاعات أخرى، فيما اعترف به مجلس الأمن الدولي دون انضمام عدد كبير من القوى الكبرى إليه.
العقوبات الأوروبية على المستوطنين
أوروبا تتجه لفرض عقوبات على مستوطنين بسبب أحداث الضفة الغربية — وهو مؤشر على تحول ملموس في الموقف الأوروبي الذي كان يُحجم عن الضغط المباشر على إسرائيل.
خامساً: ما الذي يمنع الحل؟
المعادلة المستحيلة
الاحتلال يمتلك تفوقاً نارياً هائلاً ويستطيع تدمير الأحياء والمستشفيات والبنية المدنية، لكنه لا يملك القدرة نفسها على فرض حسم سياسي دائم. في كل مرة أعلن فيها الاحتلال تفكيك بنية المقاومة في موقع ما، عاد بعد فترة ليقر أن فكرة إزالة المقاومة عسكرياً مبالغ فيها إلى حد كبير.
فشل نزع السلاح
إسرائيل تقدم استعداداً لعملية برية جديدة في غزة، في ظل تقديرات إسرائيلية ترجّح فشل المبعوث الدولي نيكولاي ملادينوف في تنفيذ مهمة تتعلق بتجريد حركة حماس من سلاحها ضمن ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار.
اليوم التالي: سؤال بلا جواب
السؤال الذي يطارد كل مفاوضات التسوية هو: من يحكم غزة بعد الحرب؟ إسرائيل ترفض أي دور لحماس. حماس ترفض نزع سلاحها. السلطة الفلسطينية لا تمتلك شرعية ميدانية كافية. والمجتمع الدولي منقسم على نفسه. في غياب إجابة واضحة، تستمر الحرب لأنه لا يوجد بديل معلوم.
خلاصة: حرب طويلة في مرحلة جديدة
ما يجري في غزة في مايو 2026 ليس نهاية حرب ولا بداية سلام — إنه مرحلة جديدة من نزاع مزمن. وقف إطلاق النار الهش يحمل في طياته بذور استئناف المعارك، والفجوة بين الأهداف الإسرائيلية المعلنة والواقع على الأرض تزداد اتساعاً. غزة اليوم جرح مفتوح في خاصرة المنطقة — وكل محاولة لإغلاقه بالقوة وحدها أثبتت أنها تُفاقمه لا تُعالجه.
أما الفلسطيني الذي يعيش في خيمة على أنقاض منزله، فبالنسبة له لا فرق بين حرب مفتوحة وهدنة هشة — كلاهما يعني يوماً آخر من الانتظار في ظل عالم لم يجد بعد إجابة لسؤال بسيط: إلى أين؟
