في خطوة غير مسبوقة منذ اندلاع الأزمة، التأم شمل وزراء دفاع أكثر من 40 دولة النهارده الثلاثاء 12 مايو 2026، في اجتماع استثنائي رفيع المستوى تستضيفه بريطانيا وفرنسا، لوضع اللمسات الأخيرة على خطط عسكرية دولية هدفها واحد: إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة العالمية المشلولة منذ عشرة أسابيع. إنه أكبر تحرك دولي منسق في هذه الأزمة — لكنه يواجه تحذيرات إيرانية صريحة وأسئلة جوهرية حول ما إذا كانت الدبلوماسية والقوة العسكرية معاً ستنجحان حيث فشلت المفاوضات المنفردة.
نوصى بقراءة :
التأمين الصحي الشامل: تغطية واسعة وموافقات تصل 98% وخدمات للمواطنين
ما الذي جرى بالتحديد؟
أعلنت الحكومة البريطانية أن وزير الدفاع البريطاني جون هيلي سيترأس الاجتماع إلى جانب نظيرته الفرنسية كاثرين فوتران، وذلك في أول اجتماع لوزراء الدفاع ضمن المهمة متعددة الجنسيات. وأوضح بيان وزارة الدفاع البريطانية أن الاجتماع يأتي استكمالاً لاجتماعات عسكرية سابقة ناقشت الجوانب العملية لمهمة دولية تقودها لندن وباريس لحماية الملاحة البحرية بعد تثبيت وقف إطلاق النار، موضحاً أن الهدف هو "تحويل الاتفاق الدبلوماسي إلى خطط عسكرية عملية لاستعادة الثقة بحركة الشحن عبر مضيق هرمز".
وكان قد سبق هذا الاجتماع لقاء أُعقد في لندن في أبريل الماضي، جمع مخططين عسكريين لبحث الجوانب العملية لمهمة حماية الملاحة في المضيق. الاجتماع الراهن هو إذن خطوة تصعيدية في السلم الدبلوماسي والعسكري — من التخطيط إلى القرار.
ما الذي تناقشه الدول الـ 40؟
وفق البيانات الرسمية المتاحة، يدور الاجتماع حول ثلاثة محاور عملية:
**أولاً: قدرات إزالة الألغام**
من المتوقع أن تعرض الدول قدرات لإزالة الألغام ضمن مهمة بحرية دفاعية، تهدف إلى طمأنة السفن التجارية التي تحاول العبور عبر الممر المائي. وكانت إيران قد لجأت إلى زرع ألغام بحرية في المضيق كأداة ردع ضد القوات الأمريكية، مما أوقف حركة الناقلات التجارية الكبرى.
**ثانياً: المرافقة العسكرية**
نظام المرافقة يعني تخصيص سفن حربية لمرافقة ناقلات النفط والشحن التجاري عبر المضيق — نموذج مشابه لما طبّقته قوات دولية في خليج عدن إبان أزمة قرصنة القرن التاسع عشر، لكنه أكثر تعقيداً لأن الخصم هنا دولة بكاملها لا مجموعات مسلحة غير نظامية.
**ثالثاً: الشرطة الجوية**
توفير غطاء جوي للممر البحري لحماية السفن من الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ الجوالة التي كانت الأداة الرئيسية لإيران في استهداف الناقلات.
ماذا أرسلت القوى الكبرى للمنطقة؟
الكلام لم يبقَ كلاماً — قوات فعلية باتت في المنطقة قبل انعقاد الاجتماع: حيث أرسلت فرنسا مجموعة حاملات الطائرات الضاربة التابعة لها إلى البحر الأحمر، في إطار التخطيط لتأمين مضيق هرمز، وعلى رأسها حاملة الطائرات النووية "شارل ديغول". وفي المقابل، أعلنت بريطانيا إرسال المدمرة "إتش إم إس دراغون" كجزء من "تموضع مسبق" قبل أي مهمة دولية محتملة.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكد في السياق ذاته أن بلاده لا تتجه نحو نشر قوة قتالية في المضيق، بل نحو مهمة أمنية منسقة، مع التأكيد على رفض أي إغلاق للممر أو فرض رسوم على عبور السفن.
إيران ترد: "عواقب وخيمة"
الرد الإيراني جاء حاداً ومباشراً. حذر نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي بريطانيا وفرنسا من مغبة نشر سفنهما الحربية في مضيق هرمز، معتبراً هذه الخطوة تصعيداً قد يؤدي إلى عواقب وخيمة في المنطقة. وشددت طهران في موقفها على السيادة الإيرانية على مضيق هرمز، وقدمت مطالب بالتعويض عن أضرار الحرب شرطاً للتفاوض. كما دعت الولايات المتحدة إلى إنهاء حصارها البحري وضمان عدم شن المزيد من الهجمات ورفع العقوبات وإنهاء الحظر الأمريكي على مبيعات النفط الإيراني. و الموقف الإيراني بمجمله يقول: لا تفاوض تحت الضغط العسكري. وهو ما يضع الاجتماع الدولي أمام سؤال صعب: هل الوجود العسكري المتعدد الجنسيات سيُقنع إيران بالتراجع، أم سيدفعها إلى مزيد من التصعيد؟
السياق: عشرة أسابيع من الشلل
يأتي هذا الحراك الدولي في وقت يشهد فيه مضيق هرمز اضطرابات متصاعدة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، ما أدى إلى تراجع كبير في حركة نقل النفط العالمية. قبل الأزمة كان يمر عبر المضيق نحو 20% من الإمدادات النفطية العالمية — عشرة أسابيع من الاضطراب تعني عشرة أسابيع من ارتفاع أسعار الطاقة وتضخم تكاليف الشحن وتراجع ثقة المستثمرين في كل أسواق العالم. وقد أدى رفض ترامب السريع لرد إيران على مقترح السلام الأمريكي إلى ارتفاع أسعار النفط مجدداً، وسط مخاوف من أن يستمر الصراع مما يُبقي حركة الملاحة متوقفة عبر المضيق.
لماذا بريطانيا وفرنسا تحديداً؟
الزعامة الأوروبية لهذه المهمة ليست صدفة. ثمة ثلاثة أسباب جوهرية:
**أولاً — الهامش الأمريكي:** واشنطن منخرطة في المفاوضات المباشرة مع طهران، ومن مصلحتها أن تبقى قوة ضغط لا قوة تأمين، حتى لا تُغلق باب التفاوض. الأوروبيون يملؤون هذا الفراغ.
**ثانياً — المصلحة الاقتصادية المباشرة:** أوروبا تستورد كميات ضخمة من الطاقة عبر هرمز، وتضرر اقتصادها المباشر من اضطراب الإمدادات. الانخراط هنا دفاع عن مصالح اقتصادية حيوية لا مجرد تضامن سياسي.
**ثالثاً — إثبات الحضور:** بعد سنوات من الانتقادات الأمريكية لضعف الإنفاق الدفاعي الأوروبي، تمثل هذه المهمة فرصة أوروبية لإثبات قدرتها على العمل المستقل في الأزمات الدولية.
ما التداعيات على الأسواق؟
مجرد الإعلان عن الاجتماع أحدث تأثيراً مزدوجاً على الأسواق: **ارتفاع النفط:** ارتفعت أسعار النفط اليوم وسط حالة الترقب — الأسواق تقرأ الاجتماع كدليل على أن الوضع لا يزال بعيداً عن الحل السلمي، مما يبقي مخاوف الإمدادات قائمة. و تراجع الذهب قليلاً:** تحركت أسعار الذهب نحو الأسفل بهامش محدود في إشارة إلى أن المستثمرين يرون في الاجتماع بادرة إيجابية ولو متحفظة على صعيد الاستقرار الإقليمي و **تذبذب أسواق الشحن:** شركات الشحن العملاقة لا تزال تتحاشى المرور في المضيق، وقرار العودة مرتبط بوجود ضمانات أمنية فعلية لا مجرد إعلانات سياسية.
ثلاثة سيناريوهات للأسابيع المقبلة
**السيناريو الأول — النجاح:** تتشكّل المهمة متعددة الجنسيات ويبدأ نشرها الفعلي، ما يُقنع إيران بأن الإغلاق أصبح مكلفاً جداً وتُفضّل التفاوض. أسعار النفط تهبط وأسواق الشحن تنتعش. و **السيناريو الثاني — المواجهة:** إيران تُنفّذ تهديدها وتستهدف السفن الحربية الغربية، مما يتحول إلى مواجهة مباشرة تُفجّر الأزمة لمستوى آخر وترفع النفط لأسعار قياسية جديدة. و **السيناريو الثالث — الجمود:** المهمة تُعلَن لكن لا تُنشَر فعلياً بسبب الخلافات بين الدول المشاركة على القواعد الاشتباك، وإيران تبقى على موقفها، والوضع يستمر بلا حسم — وهو الأكثر احتمالاً على المدى القصير.
خلاصة: تاريخ أم مجرد اجتماع آخر؟
ما جرى اليوم هو الأكبر من نوعه في هذه الأزمة — 40 دولة حول طاولة واحدة لمناقشة تأمين شريان الطاقة الأهم على وجه الأرض. لكن التاريخ يعلّمنا أن الاجتماعات الكبيرة لا تصنع الأمن بمفردها. ما يهم هو ما يأتي بعد الاجتماع: هل تُنشر السفن؟ هل تلتزم الدول الكبرى بقواعد اشتباك واضحة؟ وهل تجد إيران في هذا الضغط الجماعي مسوّغاً للتفاوض أو مبرراً للتصعيد؟
الإجابات لن تتأخر طويلاً — وأسواق النفط تُراقب كل كلمة.
نوصى بقراءة :
