صدر التقرير الشهري لسوق النفط الصادر عن وكالة الطاقة الدولية، اليوم الثلاثاء 12 مايو 2026 وهو التقرير الذي تنتظره بورصات العالم كل شهر لتُعيد على أساسه رسم توقعاتها لباقي العام. لكن هذه المرة، جاء التقرير في توقيت بالغ الحساسية: عشرة أسابيع من الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، ومخزونات نفطية تتآكل بوتيرة لم يشهدها العالم منذ أزمة حظر 1973.
ما الذي يعنيه للأسواق والمستهلك العربي؟
تراجع الطلب العالمي على النفط بنحو 80 ألف برميل يومياً لكامل عام 2026، بعد أن كانت الوكالة تتوقع نموًا إيجابيًا في مطلع العام. تراجع الطلب لا يعني أن العالم يحتاج نفطاً أقل، بل يعني أن الأسعار المرتفعة والاضطرابات الاقتصادية بدأت تُجبر الحكومات والشركات والمستهلكين على ترشيد الاستهلاك قسرًا.
تعتبر الوكالة أن الربع الثاني من 2026 قد يشهد أكبر هبوط فصلي في الاستهلاك منذ أزمة الجائحة، وهو توصيف خطير يضع هذه الأزمة في مصاف الأزمات التاريخية الكبرى لا مجرد تقلب موسمي.
خفض توقعات الإمدادات بـ 1.5 مليون برميل
استمرار غلق مضيق هرمز تسبب في خفض توقعات الإمدادات العالمية بمقدار 1.5 مليون برميل يوميًا، وهو رقم ضخم جداً في سوق يتحرك عند إمدادات إجمالية تقارب 105 ملايين برميل يومياً. كل مليون برميل ناقص من الإمدادات يعني ضغطاً إضافياً على المخزونات وصعوداً إضافياً في الأسعار.
قبل اندلاع النزاع كان نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية تمر عبر مضيق هرمز. أما الآن، فتشير التقديرات إلى أن التدفقات لا تتجاوز مليوني برميل يوميًا ، أي ما يعادل 10% فقط من طاقته المعتادة.
المخزونات — النزيف التاريخي
الصورة الأكثر إثارة للقلق في تقرير مايو تتعلق بالمخزونات الاحتياطية العالمية. وصفها مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول بأنها "أكبر صدمة في تاريخ سوق الطاقة" — وهي ليست مبالغة بالنظر إلى الأرقام.
انخفضت المخزونات بمعدل 6.6 مليون برميل يوميًا خلال شهر أبريل وحده، وهو أسرع تراجع شهري مُسجَّل في التاريخ الحديث، يتجاوز حتى صدمة الحظر النفطي عام 1973.
اقتربت المخزونات العالمية من "الحد الأدنى التشغيلي" حيث انخفض إجمالي الاحتياطي العالمي ليغطي احتياجات 101 يوم فقط، وسط تحذيرات من كسر حاجز الـ100 يوم بنهاية شهر مايو الحالي.
بحسب تقديرات غولدمان ساكس وسيتي جروب، تم بالفعل سحب ما بين 470 و500 مليون برميل من الاحتياطيات، بما يشمل ضخ نحو 400 مليون برميل من قبل الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية خلال مارس 2026 وحده. وتشير توقعات سيتي غروب إلى أن مخزونات النفط العالمية قد تصل إلى أدنى مستوياتها في ثماني سنوات بحلول نهاية يونيو، حتى في حال انتهاء النزاع خلال الفترة القريبة.:
كيف ردّت الأسواق؟
تقرير مايو صدر في لحظة حرجة والبورصات تترقبه لتحديد اتجاه جلساتها لبقية الشهر، إذا جاء التقرير بنبرة تشاؤمية حيال مستويات المخزون كما بدت المؤشرات الأولية، فقد نشهد قفزة في العقود الآجلة للنفط. أما إذا قدّم خطة استراتيجية سلسة وواضحة لعمليات الضخ القادمة فسيؤدي ذلك إلى تهدئة المضاربات واستقرار الأسعار ضمن نطاق مستهدف.
خام برنت سجّل قفزات إلى ما يقارب 120 دولارًا للبرميل في ذروة الأزمة قبل أن يتراجع لاحقًا إلى نحو 92 دولارًا، مسجلًا ارتفاعًا بنحو 20 دولارًا للبرميل منذ بداية شهر مايو. ومع صدور التقرير اليوم وسط التوترات المتصاعدة في هرمز وانعقاد اجتماع الـ40 دولة، الأسواق في حالة ترقب استثنائية.
إجراءات ترشيد الطاقة حول العالم
في محاولة لاحتواء الاستهلاك، فرضت عدة دول إجراءات لترشيد الطاقة شملت توسيع العمل عن بُعد، وتقليل استخدام أجهزة التكييف، وخفض السرعات على الطرق السريعة. وقال أولي هانسن من "ساكسو بنك" إن "تدمير الطلب والسحب من المخزونات يخفيان حجم الصدمة"، محذرًا من أن السوق قد يقلل من تقدير شدة الشح المتوقع فور استقرار الطلب.
المؤسسات المالية العالمية الكبرى لها قراءاتها المتباينة لما بعد التقرير
يري غولدمان ساكس أن إنتاج الخليج من النفط قد ينتعش خلال أشهر بعد فتح هرمز، وأن الأسعار ستعود للانخفاض بشكل ملموس حال استئناف الملاحة. لكنه يحذر من أن النزيف في المخزونات قد يستغرق 6 إلى 12 شهرًا لاستعادة مستوياته الطبيعية.اليوم الثلاثاء 12 مايو 2026
يتوقع سيتي فقدان ما يصل إلى 900 مليون برميل من المخزونات في سيناريو استمرار الأزمة حتى نهاية الصيف، ويرى أن الأسعار ستبقى فوق 100 دولار حتى نهاية 2026 على الأقل.
**إس آند بي غلوبال:** ترجح انخفاضاً في الطلب يصل إلى 700 ألف برميل يومياً في 2026، وهو رقم أكبر مما تتوقعه الوكالة ذاتها.
ماالجديد في تقرير مايو تحديدًا؟
ما يميز تقرير مايو عن تقارير الأشهر الماضية هو أنه يُصدر في وقت تتزامن فيه ثلاثة أحداث استثنائية في يوم واحد:
انعقاد اجتماع الـ40 دولة بقيادة بريطانيا وفرنسا لوضع خطط عسكرية لفتح هرمز — نتيجته ستؤثر مباشرة في تقديرات الإمدادات للأشهر القادمة.
بدء مباحثات وكالة الطاقة مع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول مخزونات السحب اليومية من النفط والغاز لدول أوروبا وآسيا — وهي مباحثات تحدد كمية ما يمكن ضخه إضافياً في السوق لتهدئة الأسعار.
تراجع التفاوض الأمريكي الإيراني بعد رفض ترامب رد إيران على مقترح السلام، مما يُبقي سيناريو استمرار الأزمة الأكثر احتمالاً وفق القراءة الراهنة للوكالة.
سادساً: ماذا يعني هذا للمستهلك العربي؟
فاتورة الطاقة
ارتفاع أسعار النفط فوق حاجز 100 دولار مع تراجع الإمدادات يعني ضغطًا مباشرًا على فواتير الكهرباء والوقود في دول تستورد النفط كمصر والأردن والمغرب ولبنان. وفي دول تدعم أسعار الوقود، يعني ذلك تصاعداً في عجز الموازنات وضغطاً على الاحتياطيات الأجنبية.
الغذاء والنقل
تكاليف الشحن العالمية المرتفعة؛ نتيجة تحويل السفن مساراتها حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من المرور عبر هرمز — ترفع تكلفة كل شيء يُستورد: من القمح والزيت وحتى السيارات والأجهزة الإلكترونية.
دول الخليج المنتجة
المشهد مختلف لدى المنتجين: الإيرادات النفطية مرتفعة بفعل الأسعار، لكن إغلاق المضيق يمنع الاستفادة الكاملة منها. لذلك سعت السعودية والإمارات إلى توسيع استخدام خط الأنابيب الشرقي-الغربي الذي يتجاوز هرمز، وتعمل على رفع طاقته التشغيلية، وقد أعلنت أرامكو السعودية ارتفاع أرباح الربع الأول 2026 إلى 126 مليار ريال، مدعومةً بزيادة الضخ عبر هذا الخط وسط اضطرابات الشحن في المضيق.
جدول الأرقام الرئيسية في تقرير مايو
| تراجع الطلب العالمي 2026 | -80 ألف برميل يومياً |
| خفض توقعات الإمدادات | -1.5 مليون برميل يومياً |
| سرعة سحب المخزون في أبريل | 6.6 مليون برميل يومياً |
| غطاء المخزون العالمي | 101 يوم فقط |
| ما سُحب من الاحتياطيات | 470-500 مليون برميل |
| تدفق هرمز الحالي | 2 مليون برميل/يومياً (10% من المعتاد) |
وختامًا لذلك تقرير مايو يُقدم صورة قاتمة لكنها صادقة: سوق النفط في أزمة هيكلية حقيقية لا في موجة تقلب مؤقتة. المخزونات تتآكل بسرعة غير مسبوقة، والإمدادات شبه مقطوعة من منبعها الرئيسي، والطلب يتراجع لكن بأقل مما يعوض النقص في العرض.
الضوء الوحيد في النفق يتمثل في اجتماع الـ40 دولة الذي انعقد النهارده لوضع خطة عسكرية لفتح هرمز. إذا نجحت هذه الخطة وانتعشت الإمدادات، فإن الضغط على المخزونات سيخف تدريجياً — لكن عودة الأسعار إلى مستوياتها قبل الأزمة لن تحدث بين عشية وضحاها. أما إذا استمر الإغلاق حتى نهاية يونيو كما يُحذر المحللون، فإن العالم سيكون أمام أزمة طاقة تاريخية لا نظير لها في العقود الأخيرة.
