كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن مضيق هرمز لا يزال يعمل بصورة جزئية، إذ لم يُغلق بالكامل كما لم يعد مفتوحًا بصورة طبيعية، في ظل استمرار التوترات الأمنية والعسكرية بالمنطقة. وأوضحت الصحيفة أن مجموعات محدودة من السفن التجارية، من بينها بعض أكبر ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، تمكنت من عبور الممر المائي خلال الأسابيع الأخيرة، ما وفر متنفسًا محدودًا للاقتصاد العالمي وسوق الطاقة الدولية.
تراجع أسعار النفط الأمريكي 5% مع اقتراب اتفاق واشنطن وطهران
الإبحار المظلم.. استراتيجية لتفادي الرصد والهجمات
وأشارت الصحيفة إلى أن بعض السفن تلجأ إلى ما يعرف في قطاع الشحن البحري بـ"الإبحار المظلم"، حيث تقوم بإطفاء الأضواء وتعطيل أنظمة التعريف الآلي (AIS)، وهي الأنظمة المستخدمة لتحديد مواقع السفن وتفادي التصادمات البحرية.
وبحسب التقرير، فإن تعطيل هذه الأنظمة يجعل السفن أكثر صعوبة في الرصد الإلكتروني وأقل عرضة للاستهداف المحتمل من جانب إيران، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر ملاحية وأمنية كبيرة.
تنسيق أمريكي مباشر لتأمين العبور
وأوضحت "وول ستريت جورنال" أن عدداً من السفن التي تعبر المضيق تبقى على اتصال مباشر مع مسؤولين عسكريين أمريكيين يستخدمون الرادارات والطائرات المسيرة وأدوات مراقبة متطورة لمتابعة حركة الملاحة البحرية ومساعدة السفن على العبور بأمان.
كما تقدم الولايات المتحدة، وفقاً لملاك سفن ومسؤولين أمريكيين، إرشادات ملاحية تتعلق بتوقيت الإبحار دون تشغيل أنظمة التعريف الآلي، إضافة إلى توجيهات بشأن كيفية التعامل مع التهديدات المحتملة التي قد تواجه السفن أثناء عبورها الممر المائي.
وترى الصحيفة أن نجاح السفن في العبور دون التعرض لهجمات يمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة إيران على التأثير في أسواق الطاقة العالمية، وكذلك اختباراً لحجم النفوذ الذي تمتلكه طهران في المفاوضات الجارية مع واشنطن، حيث تظل حرية الملاحة البحرية إحدى أبرز نقاط الخلاف بين الجانبين.
إيران تتمسك بدور في إدارة الملاحة البحرية
ونقلت الصحيفة عن وسائل إعلام رسمية إيرانية تأكيدها أن بحرية الحرس الثوري الإيراني ستواصل السيطرة على المضيق وإدارته باعتباره ممراً استراتيجياً وحيوياً.
وأشارت إلى أن الحرس الثوري حاول خلال الأسبوع الماضي زرع ألغام بحرية في المنطقة، كما أطلق خمس طائرات مسيرة هجومية أحادية الاتجاه، وفقاً لما أعلنته القيادة المركزية الأمريكية.
في المقابل، أكدت القيادة المركزية الأمريكية أن القوات الأمريكية ردت بإغراق قوارب تابعة للحرس الثوري كانت تقوم بزرع الألغام، إضافة إلى تنفيذ ضربات استهدفت مواقع للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، مؤكدة أن تلك العمليات جاءت في إطار الدفاع عن حرية الملاحة، وأن اتفاق وقف إطلاق النار ما زال قائماً.
عقوبات أمريكية على كيان إيراني لفحص السفن
وفي سياق متصل، أوضحت الصحيفة أن إيران تصر خلال المحادثات الجارية على الاحتفاظ بدور مستقبلي في تنظيم حركة السفن العابرة للمضيق، بما في ذلك إمكانية فرض رسوم على عمليات العبور.
وردت الولايات المتحدة بفرض عقوبات على "هيئة مضيق الخليج الفارسي"، وهي جهة أنشأتها إيران لفحص السفن التجارية الراغبة في المرور عبر المضيق وفرض رسوم عليها.
مشروع الحرية.. ممر آمن نسبياً للسفن
وكشف التقرير أن بعض عمليات العبور الحالية تتم عبر جزء من الخليج سبق أن قامت الولايات المتحدة بتطهيره خلال عملية عسكرية قصيرة أطلق عليها اسم "مشروع الحرية".
وشملت العملية مرافقة بحرية وجوية أمريكية للسفن التجارية، لكنها توقفت بعد تصاعد الهجمات الإيرانية على السفن، إلى جانب القيود التي فرضتها السعودية على استخدام الولايات المتحدة لبعض قواعدها ومجالها الجوي.
ورغم توقف العملية، فقد ساهمت في إنشاء مسار ملاحي يعد أكثر أماناً نسبياً، بعدما استخدمت القوات الأمريكية روبوتات تحت الماء لتطهيره من الألغام البحرية خلال الأسابيع السابقة.
ناقلات عملاقة تكسر الحصار البحري
وأشارت الصحيفة إلى أن ناقلة يونانية عملاقة تحمل مليوني برميل من النفط الخام تواصلت مع القوات الأمريكية أثناء عبورها المياه القريبة من سواحل سلطنة عمان خلال الأسبوع الجاري، بعدما ظلت عالقة في الخليج منذ أوائل شهر مارس الماضي.
وأكدت أن الناقلة تواصل حالياً رحلتها إلى الهند لتسليم شحنتها النفطية، فيما كشف مالكو سفن يونانيون أن العديد من العملاء تواصلوا معهم للاستفسار عن إمكانية استخدام المسارات نفسها لعبور شحناتهم.
وأظهرت بيانات شركة "كبلر" المتخصصة في تتبع حركة السفن أن أغلب السفن التي عبرت خلال الشهر الجاري استخدمت المسار الذي حددته إيران بمحاذاة سواحلها الشمالية، أو لجأت إلى الإبحار المظلم، ما جعل تتبعها أكثر صعوبة.
في المقابل، لم يستخدم المسار الذي حددته الولايات المتحدة بمحاذاة السواحل العمانية سوى عدد محدود من السفن.
ونقلت الصحيفة عن ميشيل بوكمان، محللة الاستخبارات البحرية بشركة "ويندوارد"، قولها إن الجميع ينتظر فرصة محدودة تسمح بإخراج سفنه من الخليج بأمان.
كما أشارت إلى نجاح السفينة "فيكستار" المملوكة لجهة صينية في تنفيذ عبور مظلم يوم 17 مايو الماضي، أثناء نقل شحنة أسمدة من الإمارات إلى البرازيل، بعد بقائها عالقة في الخليج لما يقرب من ثلاثة أشهر.
حركة الملاحة لا تزال بعيدة عن معدلاتها الطبيعية
وأكد التقرير أن أعداد السفن التي تعبر المضيق حالياً لا تزال محدودة للغاية مقارنة بفترة ما قبل الحرب، عندما كان أكثر من 100 سفينة تعبر يومياً.
وأضاف أن حركة الملاحة تتباطأ بشكل كبير مع كل تصعيد عسكري جديد، بما في ذلك فترات التوقف التي شهدها المضيق خلال الأسبوع الجاري عقب الضربات الأمريكية ضد مواقع إيرانية للطائرات المسيرة والصواريخ قرب الممر المائي.
وقال الكابتن تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية، إن الولايات المتحدة تواصل التنسيق والتواصل بشكل مستمر مع السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز.
تكاليف التأمين والحرب تضغط على السفن العالقة
وفي الجانب الاقتصادي، أوضح التقرير أن مئات السفن العالقة في الخليج تواجه ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة استمرار الأزمة.
ونقلت الصحيفة عن أليساندرو جيلي، وسيط ناقلات بشركة "BRS Shipbrokers"، قوله إن هناك حافزاً اقتصادياً كبيراً يدفع السفن إلى محاولة المغادرة، حيث تتراوح تكاليف تشغيل ناقلات النفط العملاقة المتوقفة بين 10 آلاف و15 ألف دولار يومياً تشمل الوقود وأجور الطواقم.
كما ارتفعت أقساط التأمين بشكل ملحوظ، في الوقت الذي يحصل فيه البحارة على أجور مضاعفة نتيجة بدلات مخاطر الحرب.
مخاطر ملاحية متزايدة بسبب تعطيل أنظمة التعريف
وأشارت الصحيفة إلى أن الإبحار دون تشغيل أنظمة التعريف الآلي يرفع من احتمالات وقوع الحوادث البحرية، إذ تعتمد السفن في هذه الحالة على الرادار فقط لتحديد مواقع السفن الأخرى.
وأوضح بحارة أن الرادار يظل أداة موثوقة، لكنه يحتاج إلى خبرة كبيرة في تشغيله، كما أنه لا يُظهر أسماء السفن، ما يزيد من صعوبة التواصل والتنسيق وتفادي التصادمات.
وقالت كلير يونجمان، مديرة مخاطر واستخبارات الملاحة البحرية في شركة "Vortexa"، إن الإبحار في الوضع المظلم يرتبط بمخاطر واضحة تتعلق بالسلامة والأمن البحري.
شركات التأمين تختلف في تقييم المخاطر
وأكد التقرير أن بعض شركات التأمين توافق على تغطية السفن أثناء عبورها في الوضع المظلم، رغم أن تلك الرحلات تستغرق عادة ما بين ساعتين وثلاث ساعات.
ونقلت الصحيفة عن ماركوس بيكر، الرئيس العالمي للتأمين البحري والشحن في شركة "مارش"، قوله إن شركات التأمين تفضل تشغيل أنظمة التعريف الآلي، لكنها لا تجعل ذلك شرطاً إلزامياً في جميع الحالات.
كما أوضح وسطاء تأمين أن الشركات تختلف في تقييمها لمستوى المخاطر، حيث تفرض بعض الجهات أقساطاً أعلى على السفن المرافقة لقوات بحرية باعتبارها أهدافاً أكثر وضوحاً، بينما تمنح شركات أخرى خصومات تأمينية بسبب ما توفره الحماية العسكرية من ردع للهجمات.
برنامج أمريكي بـ40 مليار دولار لدعم الملاحة
وأشارت "وول ستريت جورنال" إلى أن الإدارة الأمريكية أعلنت في وقت سابق برنامج إعادة تأمين بقيمة 40 مليار دولار، تقوده شركة "تشب" بدعم من الحكومة الأمريكية وعدد من شركات التأمين، بهدف تشجيع السفن على استخدام الممر المائي الحيوي.
ورغم الإعلان عن البرنامج منذ أوائل مارس، فإنه لم يُستخدم حتى الآن، فيما أكد إيفان جرينبرج، الرئيس التنفيذي لشركة "تشب"، أن التغطية التأمينية ستكون متاحة فقط للسفن التي ترافقها قوات بحرية.
أرباح العبور الآمن تعوض المخاطر
واختتمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن معادلة التأمين البحري في مناطق النزاعات تعتمد على تحقيق توازن بين المخاطر والعائد.
وبحسب خبراء التأمين، فإن السفن التي تنجح في عبور المضيق بأمان تسترد ما يقرب من 50% من تكاليف التأمين المدفوعة، بينما تتراوح الأقساط الحالية بين 2.5% و4% من قيمة السفينة، مقارنة بنحو 0.25% فقط خلال فترات السلم.
ويعني ذلك أن سفينة تبلغ قيمتها 100 مليون دولار يمكن أن تسترد نحو 1.5 مليون دولار من رسوم تأمين وصلت إلى 3 ملايين دولار بمجرد إتمام عبورها لمضيق هرمز بنجاح، في مؤشر واضح على حجم الرهانات الاقتصادية المرتبطة بأحد أهم الممرات البحرية في العالم.
محافظ السويس والبنك الزراعي يبحثان دعم الأسر الأولى بالرعاية
