خفض محللون دوليون توقعاتهم لأسعار النفط خلال عام 2026 للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب الإيرانية، في إشارة إلى تحول واضح في نظرة الأسواق العالمية بعد تراجع المخاوف المرتبطة بأمن الإمدادات وعودة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها.
وأظهر استطلاع أجرته وكالة "رويترز" ونُشرت نتائجه، الثلاثاء، أن متوسط التوقعات لأسعار خام برنت خلال عام 2026 انخفض إلى 84.50 دولاراً للبرميل، مقارنة بـ90.44 دولاراً في استطلاع الشهر الماضي، فيما تراجع متوسط التوقعات لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 79.49 دولاراً للبرميل، مقابل 84.63 دولاراً في توقعات مايو الماضي، وهو انخفاض يتجاوز 6% خلال شهر واحد.
ويعكس هذا التراجع تغيراً في تقييم الأسواق للمخاطر الجيوسياسية، بعدما كانت التوقعات قد ارتفعت بصورة متواصلة خلال الأشهر الماضية نتيجة تداعيات الحرب الإيرانية التي أدت إلى اضطراب الإمدادات ودفعت أسعار النفط إلى مستويات تاريخية، تجاوز فيها خام برنت حاجز 126 دولاراً للبرميل، فيما اقترب الخام الأميركي من 120 دولاراً.
انحسار علاوة المخاطر
ويرى محللون أن استئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أسهم في تهدئة المخاوف بشأن استمرار انقطاع الإمدادات، الأمر الذي أدى إلى تراجع ما يُعرف بـ"علاوة المخاطر الجيوسياسية" التي كانت تضيف دعماً كبيراً للأسعار.
وقال توبياس كيلر، المحلل لدى بنك "أوني كريديت"، إن الجزء الأكبر من علاوة المخاطر قد تلاشى بالفعل، مشيراً إلى أن تعافي تدفقات النفط من الشرق الأوسط، بالتزامن مع تباطؤ نمو الطلب العالمي، سيحدان من فرص تسجيل ارتفاعات جديدة في الأسعار خلال الفترة المقبلة.
وتتوقع تقديرات المشاركين في الاستطلاع أن يتراجع متوسط سعر خام برنت تدريجياً من نحو 84 دولاراً للبرميل خلال الربع الثالث من عام 2026 إلى قرابة 79 دولاراً في الربع الرابع، قبل أن يواصل انخفاضه إلى نحو 75 دولاراً بحلول منتصف عام 2027.
عودة الفائض إلى السوق
ويجمع عدد من الخبراء على أن عودة حركة النقل البحري عبر مضيق هرمز ستؤدي إلى استعادة التوازن في الإمدادات، بعد فترة شهدت نقصاً حاداً بسبب تعطل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، الذي كان ينقل قبل الأزمة نحو 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.
وقال فرانك شالينبرجر، رئيس قسم أبحاث السلع الأولية في بنك "إل.بي.بي.دبليو"، إن عودة الملاحة إلى طبيعتها ستقود الأسواق مجدداً إلى فائض في المعروض، وهو ما سيبقي الضغوط النزولية على الأسعار خلال النصف الثاني من عام 2026.
وفي السياق ذاته، أوضح كيم فوستييه، رئيس قسم أبحاث النفط والغاز الأوروبي في بنك "إتش.إس.بي.سي"، أن السوق قد تشهد نقصاً يقترب من مليوني برميل يومياً في بداية عام 2026، قبل أن تتحول إلى فائض طفيف يقارب مليون برميل يومياً خلال الربع الأخير من العام، مع عودة إنتاج دول الخليج إلى مستوياته الطبيعية.
"أوبك+" واستراتيجية استعادة الحصة السوقية
وتشير توقعات المشاركين في الاستطلاع إلى استمرار تحالف "أوبك+" في زيادة الإنتاج خلال الفترة المقبلة، ولكن بوتيرة محسوبة، في إطار مساعيه لاستعادة حصته في الأسواق العالمية، مع الحرص على تجنب حدوث انهيار حاد في الأسعار نتيجة زيادة المعروض.
وفي الوقت نفسه، توقعت وكالة الطاقة الدولية، في أول تقديراتها لعام 2027، أن يشهد سوق النفط فائضاً كبيراً في الإمدادات، مع زيادة متوقعة في الإنتاج العالمي بنحو ثمانية ملايين برميل يومياً، مقابل نمو في الطلب لا يتجاوز مليوني برميل يومياً، وهو ما يعزز التوقعات باستمرار الضغوط على الأسعار.
الطلب الصيني يضغط على السوق
وعلى جانب الطلب، رجح المحللون أن يتباطأ نمو الاستهلاك العالمي للنفط خلال عام 2026 إلى ما بين مليون ومليوني برميل يومياً، في ظل استمرار ضعف الطلب في الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم.
كما خفضت منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك" توقعاتها لنمو الطلب العالمي عدة مرات خلال الأشهر الأخيرة، بعدما كانت تتوقع زيادة بنحو 1.4 مليون برميل يومياً، قبل أن تقلصها إلى 1.2 مليون، ثم إلى أقل من مليون برميل يومياً في أحدث مراجعاتها.
ورغم النظرة الحذرة، لا يستبعد بعض الخبراء تحسن الطلب خلال السنوات المقبلة مع انخفاض الأسعار وزيادة القدرة على تحمل تكاليف الطاقة، فيما أشار بنك "غولدمان ساكس" إلى وجود اتجاه متنامٍ نحو تعزيز المخزونات الاستراتيجية عالمياً، بما يزيد على مليون برميل يومياً خلال عام 2027، وهو ما قد يوفر دعماً إضافياً للسوق على المدى المتوسط.
نظرة مستقبلية
ورغم تراجع التوقعات، لا تزال الأسواق تواجه قدراً من عدم اليقين، إذ يرى عدد من المتعاملين أن أي تصعيد جديد في التوترات الجيوسياسية قد يعيد المخاطر إلى الواجهة ويدفع الأسعار إلى الارتفاع مجدداً. إلا أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في الوقت الراهن يشير إلى سوق تتجه تدريجياً نحو زيادة المعروض، يقابلها تباطؤ في نمو الطلب، ما يجعل أسعار النفط مرشحة للاستقرار عند مستويات أقل مقارنة بالذروة التي سجلتها خلال فترة الأزمة.
تضرر ناقلة نفط في مضيق هرمز إثر استهدافها بمقذوف مجهول
30 يونيو.. حين خرجت الملايين وأعادت رسم المشهد السياسي في مصر
