شكلت ثورة 30 يونيو عام 2013 نقطة تحول فارقة في تاريخ مصر الحديث ونموذجاً لإرادة الشعب الذي انتصر لهويته وحمى وطنه.

في مثل هذه الأيام، توحدت جموع المصريين بمختلف أطيافهم في الميادين، مدعومين بجيشهم الوطني الباسل، لإنقاذ الدولة من براثن الفوضى والاضطراب. واليوم، وبعد مرور سنوات على هذه التحرر التنموي والسياسي، نرى ثمار تلك الثورة تتجسد في مشروعات قومية كبرى، وبنية تحتية حديثة، ومسيرة لا تتوقف نحو بناء الجمهورية الجديدة.

نلتقي بكم اليوم في تغطية خاصة واستثنائية، لنعيد قراءة صفحات واحد من أبرز الأيام في تاريخ مصر الحديث. يومٌ توحدت فيه الملايين، وامتلأت به الميادين بملحمة شعبية سُطرت بحروف من نور؛ إنها ذكرى ثورة الثلاثين من يونيو، ووراء  هذا الحراك الشعبي الهائل، كانت هناك شرارة بدأت بفكرة، وورقة، وتوقيع. حركة شبابية نجحت في تحريك الركود، وجمع قلوب المصريين على هدف واحد واستعادة الهوية الوطنية.

وفي هذا الحوار نحاور شخصاً كان في قلب الحدث، ومن صانعي هذه الشرارة الأولى؛ أحد مؤسسي حركة 'تمرد'، الأستاذ حسن شاهين، ودعنا نعود بالذاكرة إلى كواليس الأيام التي غيرت مجرى التاريخ.

س: كيف تنظر إلى ثورة 30 يونيو بعد مرور أعوام على اندلاعها؟

ج: كفى بثورة 30 يونيو أنها كانت “ثورة الإنقاذ” التي أطاحت بجماعة الإخوان الإرهابية وأنقذت الدولة المصرية من مخاطر التفكك والانهيار، بعدما انتهجت الجماعة سياسة استقطاب حادة خلال فترة حكمها، إلى جانب محاولاتها لمحو الهوية الثقافية والحضارية لمصر. لقد كانت الثورة نقطة فاصلة نقلت مصر من مرحلة الضياع إلى مرحلة البناء والتنمية، ورسخت مفهوم الدولة الوطنية وحافظت على مؤسساتها، كما أعادت لمصر مكانتها الإقليمية والدولية.

س: لماذا تصف 30 يونيو بأنها نقطة تحول في تاريخ الدولة المصرية؟

ج: لأنها أعادت البلاد إلى المسار الصحيح. المصريون كتبوا في ذلك اليوم صفحة مضيئة في تاريخهم، وأثبتوا أنهم شعب لا يقبل المستحيل ولا يفرط في وطنه. كما رسمت الثورة مسارًا جديدًا للعمل الوطني الخالص، وانطلقت بعدها مسيرة التنمية الحديثة على مختلف المستويات، مستندة إلى حالة التلاحم الشعبي والاصطفاف الوطني خلف القيادة السياسية لمواجهة التحديات.

س: ما أبرز النتائج التي حققتها الثورة في رأيك؟

ج: الثورة حافظت على وحدة الدولة وأمنها، وأفشلت مخططات خارجية كانت تستهدف تقسيم مصر والتفريط في أراضيها. كما كانت بداية الطريق نحو الجمهورية الجديدة، حيث شهدت مصر تطهيرًا لأرضها من الإرهاب، بالتوازي مع إطلاق مشروعات التنمية والتعمير في جميع أنحاء الجمهورية. كذلك أعادت الوحدة الوطنية بين المصريين بعد محاولات جماعة الإخوان خلق مجتمع قائم على الفرقة والاستقطاب.

س: كيف تصف تجربة حملة “تمرد” التي كنت أحد مؤسسيها والمتحدث باسمها؟

ج: دائمًا أردد أن “تمرد” كانت عصا موسى التي ابتلعت ما كانوا يأفكون. كانت ناقوس السقوط الذي دوّى في كل مئذنة وكنيسة وساحة، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. هدفنا الأساسي كان سحب الثقة من الرئيس الطائفي والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، بعدما أدركنا أن الأغلبية في الشارع المصري ترفض إسقاط الهوية المصرية وترفض الإرهاب بكل صوره.

س: كيف بدأت فكرة حملة “تمرد”؟

ج: جاءتني فكرة جمع توقيعات المصريين لإثبات أن الأغلبية ترفض استمرار حكم جماعة الإخوان. اخترنا شعار “تمرد” باعتباره يعبر عن حق المصريين في الاعتراض والتعبير عن إرادتهم. عرضت الفكرة على عدد من الزملاء، ثم أعلنت البيان التأسيسي للحملة في 28 أبريل 2013، وكنت المتحدث باسمها حتى نهاية حكم الجماعة.

س: ما حجم التأييد الشعبي الذي حظيت به الحملة؟

ج: تمكنا من جمع 22 مليونًا و134 ألفًا و54 توقيعًا، مقابل 13 مليونًا و347 ألفًا و380 صوتًا حصل عليها محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية. وعندما دعونا المصريين للنزول يوم 30 يونيو، شارك نحو 30 مليون مصري في الثورة دفاعًا عن وطنهم وإحباطًا لمخطط الفوضى في الشرق الأوسط.

س: هناك من يروج أن حركة “تمرد” لم تكن مستقلة، وإنما صُنعت لخدمة قوى معينة.. كيف ترد؟

ج: هذا كلام باطل وزور وبهتان، ولا يُعوّل على روايات جماعة الإخوان. عندما يوقع أكثر من 22 مليون مواطن على استمارة “تمرد”، ويخرج نحو 30 مليون مصري إلى الشوارع مطالبين برحيل مرسي، فهل يُعقل أن يكون كل هؤلاء مجرد أدوات لقوى معينة؟ هذا ادعاء لا يصمد أمام المنطق، وأرى أنهم كانوا أغبياء حتى في صياغة السيناريوهات التي حاولوا ترويجها.

س: هل تعرضت لتهديدات أو محاولات استهداف بسبب دورك في “تمرد”؟

ج: نعم، تعرضت لأكثر من محاولة اغتيال، إلى جانب ملاحقات وتهديدات متكررة من عناصر الجماعة أمام منزلي ومكان عملي ومقار حملة “تمرد”. أبرز هذه الوقائع كانت عقب مؤتمر أعلنت خلاله تجاوز عدد التوقيعات 15 مليونًا، وهو ما يعني أن مؤيدي عزل مرسي أصبحوا أكثر من عدد الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات.

س: ماذا حدث بعد ذلك المؤتمر؟

ج: تواصل معي مدير مكتب محمد البلتاجي وأبلغني رسالة واضحة مفادها أن أخشى على نفسي وأسرتي إذا استمرت الحملة. أخبرته أنني مستمر حتى رحيل الجماعة ومحاكمتها، فرد قائلاً: “أنت الذي طلبت الموت”. وفي اليوم نفسه تم إحراق أحد مقار “تمرد” بينما كنت بداخله، وكانت نجاتي وقتها صعبة للغاية، لكن إرادة الله شاءت أن أنجو. بعدها حررت محضرًا واتهمت فيه محمد البلتاجي ومكتب الإرشاد بمحاولة اغتيالي.

س: وهل كانت هناك محاولات أخرى؟

ج: نعم، سبقتها أيضًا تهديدات وانتهت بمحاولة دهسي بسيارة. في النهاية، الإرهاب جزء أصيل من فكر جماعة الإخوان، وهذا ليس أمرًا جديدًا في تاريخها.

س: كيف ترى مكانة مصر إقليميًا بعد ثورة 30 يونيو؟

ج: مصر استعادت مكانتها الطبيعية إقليميًا ودوليًا. ويتضح ذلك في الأزمات الكبرى، وآخرها الحرب على قطاع غزة، حيث اتجهت أنظار العالم إلى مصر باعتبارها الدولة القادرة على لعب دور محوري في تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. ورغم التحديات الداخلية والخارجية، ما زالت مصر تؤدي دورًا إقليميًا نشطًا لا يستطيع منصف أن ينكره.

س: ما الرسالة التي توجهها في ذكرى ثورة 30 يونيو؟

ج: رسالتي أن نحافظ على ما تحقق، وأن ندرك أن ثورة 30 يونيو لم تكن مجرد احتجاج سياسي، بل كانت معركة لإنقاذ الدولة المصرية والحفاظ على هويتها ووحدتها. وما تحقق بعدها من أمن واستقرار وتنمية هو ثمرة تضحيات شعب اختار أن يحمي وطنه ويحافظ على مستقبله.