يمثل افتتاح الأوكتاجون، مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية، مناسبة تتجاوز في معناها افتتاح مبنى جديد، مهما بلغت ضخامته أو تقدمه التكنولوجي.

فالمباني، مهما كانت عظيمة، لا تصنع القوة وحدها، والتكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا تضمن وحدها صواب القرار.

ومراكز القيادة لا تصبح مؤثرة بمجرد اجتماع الشاشات والمعلومات داخلها، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى رؤية، والرؤية إلى قرار، والقرار إلى فعل منسق يخدم أهداف الدولة ويحمي مستقبل مواطنيها.

ومن هنا أرى أن السؤال الذي يستحق أن نطرحه مع افتتاح هذا الصرح ليس: كم تبلغ مساحته؟ وكم تكلف؟ وما حجم التكنولوجيا الموجودة داخله؟

 بل السؤال الأهم هو: ما مفهوم القوة الذي نريد أن تمثله هذه المؤسسة؟

لقد تغير مفهوم القوة في العالم، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بعدد الجنود أو الطائرات أو الدبابات، على أهمية كل ذلك في حماية الأوطان، بل أصبحت القوة الحديثة خاصية للنظام كله.

 

الدولة القوية هي الدولة التي تمتلك جيشًا قادرًا، واقتصادًا منتجًا، وتعليمًا يصنع العقل، وجامعات تنتج المعرفة، ومؤسسات تعمل بكفاءة، وإدارة عامة تحترم الوقت، ونظامًا صحيًا يحمي الإنسان، ومجتمعًا يثق في دولته ويشعر أنه شريك في مستقبلها.

القوة الحقيقية لا تسكن مؤسسة واحدة، بل تتدفق بين المؤسسات.

وقد يكون هذا، في رأيي، هو المعنى الأهم لأي مركز للقيادة الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين.

 فالتهديدات التي تواجه الدول لم تعد عسكرية فقط. هناك تهديدات اقتصادية، ومائية، وغذائية، وتكنولوجية، وسيبرانية، وبيئية وصحية. وهناك حروب معلومات، وتزييف للوعي، وقدرة متزايدة على التأثير في المجتمعات من داخلها دون عبور جندي واحد للحدود.

 لذلك فإن مفهوم الأمن القومي نفسه أصبح أوسع من مفهوم الدفاع العسكري، وإن ظل الدفاع العسكري ركيزة أساسية فيه.

إن مركز القيادة الاستراتيجية الحديث يجب أن يكون، في تصوري، عقلًا قادرًا على رؤية الصورة الكاملة، لا مجرد غرفة تستقبل المعلومات.

والفرق بين الأمرين كبير.

فامتلاك المعلومات لا يعني بالضرورة امتلاك المعرفة، وامتلاك المعرفة لا يعني بالضرورة امتلاك الحكمة اللازمة لاتخاذ القرار.

العالم اليوم يغرق في البيانات، لكن الدول لا تتقدم بكمية ما تعرفه فقط، وإنما بقدرتها على فهم العلاقة بين الأشياء، وعلى الاستماع إلى الرأي المختلف، وعلى مراجعة الافتراضات القديمة، وعلى توقع النتائج غير المقصودة للقرارات قبل وقوعها.

ومن هنا تأتي أهمية كلمة "الاستراتيجية". فالاستراتيجية ليست إدارة الحاضر فقط، بل القدرة على تخيل المستقبل والاستعداد له.

وليست الاستراتيجية في رأيي أن نعرف ماذا سنفعل غدًا، وإنما أن نسأل: أين نريد أن تكون مصر بعد عشرين عامًا؟ وما القرارات التي يجب أن نبدأ في اتخاذها اليوم حتى نصل إلى هناك؟

إن مستقبل مصر لا يتحدد فقط على حدودها، بل في فصول مدارسها، وفي معامل جامعاتها، وفي إنتاج مصانعها، وفي قدرة شبابها على الابتكار، وفي عدالة الفرص بين مواطنيها، وفي كفاءة إدارتها، وفي قدرتها على بناء الثقة داخل المجتمع.

فالطفل الذي لا يحصل على تعليم جيد هو قضية أمن قومي.

والماء قضية أمن قومي.

والطاقة قضية أمن قومي.

والبحث العلمي قضية أمن قومي.

والاقتصاد المنتج قضية أمن قومي.

وثقة المواطن في مؤسسات بلاده قضية أمن قومي أيضًا.

لهذا أتمنى أن يكون افتتاح الأوكتاجون بداية لتطوير أوسع في فلسفة إدارة الدولة؛ فلسفة تقوم على تكامل القوة لا احتكارها، وعلى تنسيق المؤسسات لا تنافسها، وعلى المعرفة لا الانطباع، وعلى التخطيط طويل المدى لا رد الفعل المؤقت.

لقد تعلمنا من التاريخ أن الدول قد تمتلك أدوات قوة هائلة، ومع ذلك تضعف إذا اختل النظام الذي يجمع هذه الأدوات.

كما تعلمنا أن دولًا محدودة الموارد استطاعت أن تصبح مؤثرة عندما نجحت في بناء مؤسسات كفؤة، وتعليم جيد، واقتصاد منتج، وثقافة تسمح بتداول الأفكار وتصحيح الأخطاء.

القوة إذن ليست شيئًا نملكه فقط، القوة هي كيفية عمل النظام كله.

وأنا أرى في افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية فرصة لطرح هذا المعنى أمام المجتمع المصري:

 أن حماية الدولة ليست مسؤولية الجيش وحده، وأن بناء المستقبل ليس مسؤولية الحكومة وحدها، وأن النهضة لا تصنعها مؤسسة منفردة مهما كانت قوتها.

الدولة الحديثة شبكة مترابطة؛ وإذا ضعفت إحدى حلقاتها، تأثرت بقية الحلقات.

إنني أنظر إلى الأوكتاجون باعتباره رمزًا يمكن أن يحمل معنى أكبر من المبنى ذاته، الانتقال من إدارة الملفات المنفصلة إلى رؤية الدولة كمنظومة واحدة.

من الدفاع إلى الاقتصاد.

ومن التعليم إلى التكنولوجيا.

ومن المياه إلى الطاقة.

ومن الصحة إلى البيئة.

ومن الأمن إلى الحرية المسؤولة التي تسمح للمجتمع بأن يفكر ويبدع ويناقش ويصحح.

فالدولة التي تسمع مواطنيها أقوى من الدولة التي تتحدث إليهم فقط.

والدولة التي تسمح بتعدد الرؤى أكثر قدرة على اكتشاف الخطأ قبل أن يتحول إلى أزمة.

والقيادة الاستراتيجية الحقيقية لا تخشى السؤال، لأن السؤال المبكر قد يحمي الدولة من إجابة متأخرة.

 إن مصر دولة كبيرة بتاريخها، وموقعها، وشعبها، وجيشها، وثقافتها، لكنها تستطيع أن تكون أقوى حين تتحول إمكاناتها المتعددة إلى منظومة تعمل في اتجاه واحد.

وهذا هو التحدي الحقيقي أمامنا.

أن تكون لدينا رؤية مشتركة للمستقبل.

أن نعرف إلى أين نريد أن نذهب.

وأن تعمل مؤسسات الدولة والمجتمع معًا، كل في دوره، لتحقيق هذه الرؤية.

إن افتتاح الأوكتاجون حدث مهم، لكن القيمة الكبرى لأي مؤسسة لا تُقاس فقط بجمال مبانيها أو تطور أجهزتها، وإنما بالأفكار التي تنتجها، والقرارات التي تحسنها، والأزمات التي تمنعها قبل وقوعها، والمستقبل الذي تساعد الدولة على بنائه.

فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد صوت السلاح وحده.

القوة هي العلم.

والاقتصاد.

والتعليم.

والثقافة.

والثقة.

وكفاءة المؤسسات.

والقدرة على رؤية المستقبل قبل أن يصبح حاضرًا.

وعندما تعمل كل هذه العناصر معًا في تناغم، تصبح القوة خاصية للدولة كلها، لا مجرد أداة في يد جزء منها.

وهذا، في رأيي، هو المعنى الأعمق الذي يجب أن نقرأ به افتتاح الأوكتاجون.