مثّل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أحد أبرز القادة العرب الذين تركوا بصمة واضحة في تاريخ دولهم، بعدما قاد دولة قطر خلال مرحلة فارقة شهدت تحولات سياسية واقتصادية وتنموية غير مسبوقة، نقلت البلاد من دولة خليجية تعتمد على مواردها الطبيعية إلى واحدة من أكثر الدول تأثيرًا على المستويين الإقليمي والدولي.

وأعلن الديوان الأميري القطري، اليوم، وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لتنتهي مسيرة قائد ارتبط اسمه ببناء الدولة الحديثة، ووضع أسس التنمية المستدامة، وتعزيز حضور قطر في مختلف المحافل الدولية، وسط حالة من الحزن في الداخل القطري ورسائل تعزية واسعة من قادة وزعماء الدول العربية والعالم.

الأمير حمد بن خليفة آل ثاني مهندس نهضة قطر الحديثة فى سطور 

ولد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في مدينة الدوحة في الأول من يناير عام 1952، وهو نجل الأمير الراحل الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني. تلقى تعليمه الأساسي في قطر، ثم التحق بالأكاديمية العسكرية الملكية "ساندهيرست" بالمملكة المتحدة، التي تخرج فيها عام 1971، قبل أن يعود إلى بلاده ليبدأ مسيرة طويلة في العمل العسكري والقيادي.

وتدرج الأمير الوالد في عدد من المناصب المهمة، حيث تولى قيادة القوات المسلحة القطرية، ثم عُين وليًا للعهد عام 1977، كما شغل منصب وزير الدفاع، وأسهم في تطوير المؤسسة العسكرية وتعزيز قدراتها، وهو ما أكسبه خبرات واسعة في مجالات الإدارة والقيادة وصنع القرار.

وفي السابع والعشرين من يونيو عام 1995، تولى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مقاليد الحكم، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ قطر، اتسمت بإطلاق مشروعات تنموية ضخمة، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، ووضع خطط طموحة لتحقيق التنمية الشاملة وتنويع مصادر الدخل، مستفيدًا من الثروات الطبيعية الهائلة التي تمتلكها البلاد، وعلى رأسها الغاز الطبيعي.

وخلال سنوات حكمه، شهد الاقتصاد القطري طفرة كبيرة، حيث توسعت الدولة في استثماراتها بقطاع الغاز الطبيعي المسال، وأصبحت قطر واحدة من أكبر الدول المصدرة للغاز في العالم، وهو ما انعكس على ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي وتحسن مستوى المعيشة، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء شبكات حديثة من الطرق والموانئ والمطارات والمنشآت الخدمية.

ولم تقتصر رؤية الأمير الوالد على التنمية الاقتصادية فقط، بل امتدت إلى بناء الإنسان، إذ أولى اهتمامًا كبيرًا بقطاع التعليم، ودعم إنشاء مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، والمدينة التعليمية، التي استقطبت عددًا من أعرق الجامعات العالمية، في خطوة هدفت إلى إعداد أجيال قادرة على قيادة المستقبل والمنافسة عالميًا.

كما شهد القطاع الصحي خلال فترة حكمه تطورًا ملحوظًا، من خلال إنشاء مستشفيات ومراكز طبية حديثة، وتطوير الخدمات الصحية، إلى جانب الاهتمام بالبحث العلمي والابتكار، باعتبارهما ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة.

وعلى الصعيد الخارجي، انتهج الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني سياسة تقوم على تعزيز العلاقات مع مختلف دول العالم، ولعبت قطر خلال فترة حكمه أدوارًا دبلوماسية في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، كما عزز حضورها في المنظمات الدولية، وسعت إلى ترسيخ مكانتها باعتبارها شريكًا فاعلًا في جهود الوساطة وحل النزاعات.

وفي المجال الرياضي، وضع الأمير الوالد أسس المشروع الرياضي القطري، الذي توج بحصول قطر على حق استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، في إنجاز تاريخي جعلها أول دولة عربية تستضيف الحدث الكروي الأكبر في العالم، كما شهدت البلاد توسعًا في إنشاء المنشآت الرياضية واستضافة البطولات الدولية.

وفي الخامس والعشرين من يونيو عام 2013، أعلن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني تنازله عن الحكم لنجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوة لاقت اهتمامًا عالميًا، وعكست إيمانه بأهمية انتقال المسؤولية إلى جيل جديد لاستكمال مسيرة التنمية، ليحمل منذ ذلك الحين لقب "الأمير الوالد"، مع استمرار حضوره الرمزي ودعمه لمسيرة الدولة.

وعلى مدار سنوات، ظل الأمير الوالد يحظى بتقدير واسع داخل قطر وخارجها، باعتباره أحد أبرز القادة الذين أسهموا في رسم ملامح الدولة القطرية الحديثة، وصاحب رؤية استراتيجية اعتمدت على الاستثمار في الإنسان، والاقتصاد، والتعليم، والبنية التحتية، بما عزز مكانة قطر على الساحة الدولية.

وبرحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تطوي قطر صفحة مهمة من تاريخها الحديث، لكنها تحتفظ بإرث سياسي وتنموي كبير، سيظل حاضرًا في مسيرة الدولة، وفي الإنجازات التي تحققت خلال العقود الماضية، والتي جعلت من قطر نموذجًا في التنمية والتخطيط الاستراتيجي واستثمار الموارد لبناء مستقبل أكثر ازدهارًا.