دخلت المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، الثلاثاء، جولتها السابعة في العاصمة الإيطالية روما برعاية أمريكية، وسط رهانات كبيرة على قدرتها في تثبيت اتفاق الإطار الموقع بين الجانبين، وتحويله من تفاهمات سياسية إلى إجراءات عملية على الأرض، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية جنوب لبنان، وتتصاعد الانقسامات الداخلية بشأن مستقبل سلاح حزب الله وآليات تنفيذ الاتفاق.

ولا تقتصر أهمية جولة روما على بحث ترتيبات أمنية أو ميدانية، بل تمتد إلى رسم ملامح المرحلة المقبلة في الجنوب اللبناني، حيث يترقب المجتمع الدولي ما إذا كانت المفاوضات ستنجح في توفير بيئة أكثر استقرارًا تسمح بعودة السكان وإطلاق عملية إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب.

مطالب لبنانية.. وقف الاعتداءات واستكمال الانسحاب

يحمل الوفد اللبناني إلى المفاوضات مجموعة من المطالب التي يعتبرها أساسية لإنجاح أي تسوية، وفي مقدمتها وقف الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، ووضع جدول زمني واضح لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، إلى جانب الحصول على ضمانات أمريكية ودولية تكفل التزام جميع الأطراف بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

كما يطالب لبنان بإطلاق مظلة دولية لإعادة إعمار البلدات التي تعرضت لدمار واسع، باعتبار أن تثبيت الأمن لا يمكن فصله عن إعادة الحياة إلى المناطق الحدودية وتمكين الأهالي من العودة إليها بصورة آمنة ومستدامة.

وتشمل الطروحات اللبنانية أيضًا توسيع نطاق المناطق التجريبية التي ينفذ فيها اتفاق الإطار، وتحديد مناطق انسحاب إسرائيلية جديدة، مع طرح مقترحات تشمل الانسحاب من مناطق أساسية مثل بنت جبيل والخيام والنبطية، وهي مطالب تواجه تحفظًا إسرائيليًا.

ويعوّل الجانب اللبناني على الدور الأمريكي للضغط على إسرائيل من أجل تنفيذ الالتزامات الواردة في اتفاق الإطار، ومنع تحول المفاوضات إلى مسار يفرض على لبنان وحده تقديم تنازلات إضافية، بينما تتأخر إسرائيل في تنفيذ استحقاقاتها.

مطالب إسرائيلية مرتبطة بسلاح حزب الله

في المقابل، تشير التقديرات إلى أن الوفد الإسرائيلي سيطالب الدولة اللبنانية بتكليف الجيش اللبناني بإنهاء الوجود المسلح لعناصر حزب الله داخل المناطق التجريبية، مع تلويح إسرائيلي بالقيام بهذه المهمة إذا لم تُنفذ من جانب الدولة اللبنانية.

ويضع هذا الطرح ملف سلاح حزب الله في صدارة المفاوضات، باعتباره أحد أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية، في ظل تمسك إسرائيل بربط أي انسحاب تدريجي بضمانات أمنية ميدانية.

وفي المقابل، تواجه الدولة اللبنانية تحديًا يتمثل في استكمال انتشار الجيش وتعزيز حضور مؤسسات الدولة في المناطق التي يشملها الاتفاق، بما يعزز سيادتها ويمنحها مزيدًا من الثقة أمام المجتمع الدولي.

تصعيد ميداني يواكب المفاوضات

وتنعقد الجولة الجديدة بينما تشهد الجبهة الجنوبية تصعيدًا ميدانيًا متواصلًا، إذ شنت القوات الإسرائيلية قصفًا مدفعيًا استهدف منطقة علي الطاهر، بالتزامن مع عمليات تفجير في بلدتي دير سريان وحداثا، إضافة إلى ثلاثة تفجيرات في منطقة مشاع المنصوري – مجدل زون.

وفي السياق ذاته، أفادت صحيفة "هآرتس" بأن الجيش الإسرائيلي يعزز وجوده في عمق جنوب لبنان ويكرس سيطرته على مناطق استولى عليها خلال الحرب، وهو ما يعكس استمرار التوتر الميداني رغم المسار التفاوضي.

كما كشفت وسائل إعلام لبنانية أن الوفد اللبناني رفض مناقشة الملف الاقتصادي في ظل وجود الوفد الإسرائيلي، متمسكًا بحصر المحادثات في الملفات الأمنية والسياسية المرتبطة بتنفيذ اتفاق الإطار.

اتفاق الإطار... أساس المفاوضات

وتستند الجولة الحالية إلى اتفاق الإطار الذي أبرمه الجانبان في 26 يونيو الماضي، عقب خمس جولات تفاوضية، وينص على نزع سلاح حزب الله بصورة تدريجية، والانسحاب الإسرائيلي المرحلي من المناطق المحتلة في جنوب لبنان، مقابل انتشار الجيش اللبناني في مناطق تجريبية تمهيدًا لتوسيع نطاق تنفيذ الاتفاق.

ويُنظر إلى نجاح تنفيذ هذا الاتفاق باعتباره اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأطراف على الانتقال من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مرحلة الاستقرار الأمني.

انقسام داخلي حاد حول المفاوضات

بالتزامن مع انطلاق محادثات روما، برزت مجددًا الانقسامات السياسية اللبنانية بشأن مسار التفاوض.

فقد انتقد الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، معتبرًا أنها لم تحقق للبنان سوى "التنازلات المتتالية"، ودعا السلطة السياسية إلى وقف ما وصفه بمسار التنازلات، وفتح حوار مع المقاومة، مؤكدًا أن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي واستعادة السيادة الكاملة.

في المقابل، رد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بلهجة حادة، معتبرًا أن من يتهم الدولة بالتفريط في السيادة هو نفسه من أدخل لبنان في حروب وصفها بـ"العبثية"، ومنح إسرائيل الذرائع للاعتداء على البلاد.

وأكد سلام أن السيادة لا تتحقق إلا بوجود قرار وطني واحد وجيش واحد يحتكر السلاح ويبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، مشددًا على أن الحوار الوطني لا يمكن أن ينجح إلا عبر الاعتراف بالأخطاء وتحمل المسؤولية، مع استمرار التزام الدولة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإعادة الأسرى، وتأمين عودة السكان إلى قراهم وإعادة إعمار المناطق المتضررة.

ذكرى مرفأ بيروت... رسائل سياسية وإنسانية

وتزامنت المفاوضات مع إحياء لبنان الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت، الذي وقع في الرابع من أغسطس 2020، وأسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص وإصابة نحو ستة آلاف آخرين، في واحدة من أكبر الكوارث التي شهدها لبنان.

وأعلنت الرئاسة اللبنانية تنكيس العلم فوق قصر بعبدا حدادًا على أرواح الضحايا، فيما شهدت العاصمة بيروت مسيرات شعبية لإحياء الذكرى والمطالبة باستكمال مسار العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانفجار.

بين اختبار التفاوض وتحديات التنفيذ

تمثل الجولة السابعة من مفاوضات روما محطة مفصلية في مسار التسوية بين لبنان وإسرائيل، إذ إن نجاحها لا يرتبط فقط بالتوصل إلى تفاهمات جديدة، وإنما بقدرة الأطراف على تنفيذ الالتزامات السابقة في ظل استمرار التصعيد الميداني والانقسام السياسي الداخلي.

وبينما يطالب لبنان بضمانات توقف الاعتداءات الإسرائيلية وتدعم إعادة الإعمار، تتمسك إسرائيل بترتيبات أمنية أكثر تشددًا، في حين يبقى مستقبل الاتفاق مرهونًا بمدى قدرة الوسطاء الدوليين على تضييق فجوة الخلافات وتحويل التفاهمات السياسية إلى واقع يرسخ الاستقرار في الجنوب اللبناني.

وزير الدفاع اللبناني: الجيش العمود الفقري للدولة وحامي السياد...

روحي فتوح: استهداف مستشفى شهداء الأقصى جريمة حرب