بات الابتزاز الإلكتروني واحدًا من أكثر الجرائم الرقمية انتشارًا في مصر خلال السنوات الأخيرة، متجاوزًا في وتيرة انتشاره وحجم ضحاياه كثيرًا من صور الجريمة التقليدية. ومع كل زيادة في معدلات استخدام الإنترنت والتطبيقات الاجتماعية، تتزايد البلاغات المتعلقة بالابتزاز الإلكتروني، بالتزامن مع ارتفاع أعداد من يقعون فريسة لمبتزين يستغلون صورة أو رسالة أو محادثة خاصة لتحويلها إلى أداة تهديد وابتزاز مالي أو جنسي. والمفارقة أن كثيرًا من هذه الوقائع لا تصل أصلًا إلى بلاغ رسمي، إذ تُفضّل نسبة كبيرة من الضحايا الصمت خوفًا من الفضيحة أو جهلًا بحقوقهم القانونية، ما يجعل الأرقام المُعلنة رسميًا مجرد جزء ظاهر من ظاهرة أكبر بكثير تحت السطح.
لماذا ترتفع البلاغات فعليًا؟
يشير مختصون في مكافحة الابتزاز الإلكتروني إلى أن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا دون وعي كافٍ بمخاطرها هو أحد الأسباب الجوهرية وراء تصاعد هذه الجرائم؛ فكثير من الضحايا يشاركون صورًا أو معلومات شخصية حساسة بدافع الثقة الزائدة في علاقة افتراضية أو تعارف حديث، ليجدوا أنفسهم لاحقًا رهائن لتهديد مستمر. وتتصدر تطبيقات التواصل، وعلى رأسها واتساب وفيسبوك، قائمة المنصات الأكثر استخدامًا في تنفيذ هذه الجرائم، إلى جانب نمط آخر لا يقل خطورة يتمثل في اختراق الحسابات الشخصية والوصول إلى صور أو بيانات خاصة عبر السرقة أو التصوير المباشر دون علم الضحية.
كما تكشف تجارب صفحات مدنية متخصصة في مواجهة هذه الظاهرة عن حجم مفزع للمشكلة؛ إذ تستقبل إحدى المبادرات المعنية بمكافحة الابتزاز الإلكتروني ما بين 700 و1000 حالة ابتزاز يوميًا، وتجاوز عدد الحالات التي واجهتها منذ انطلاقها أربعمئة ألف حالة. هذا الرقم وحده كافٍ لتوضيح أن الأزمة أكبر بكثير مما تعكسه المحاضر الرسمية المُقدَّمة لأقسام الشرطة والنيابة العامة.
فجوة الصمت: لماذا لا تُبلّغ الضحايا؟
من أبرز العوامل التي تُبقي هذه الجريمة "غير مرئية" إحصائيًا، أن نسبة كبيرة من الضحايا، خصوصًا النساء، يتجنبن تحرير محاضر رسمية ضد المبتز، ويُفضّلن اللجوء إلى وسائل غير رسمية لحل الأزمة وديًا. ويعود ذلك إلى شعور الضحية بأن تقديم البلاغ قد يتحول بذاته إلى "فضيحة جديدة"، خاصة حين تكون هي من أرسلت الصور أو المحتوى بمحض إرادتها في البداية، ما يولّد لديها خوفًا من المساءلة القانونية أو من تأثير ذلك على سمعتها المستقبلية. ويُضاف إلى ذلك تخوّف بعض الضحايا من بطء الإجراءات القضائية أو حفظ المحضر دون نتيجة، وهو ما قد يدفع المبتز، في حال شعوره بإفلاته من العقاب، إلى تصعيد التهديد بدلًا من التراجع عنه.
هذه الفجوة بين حجم الظاهرة الفعلي وما يُبلَّغ عنه رسميًا تُبرز حاجة ملحّة إلى تعزيز الوعي القانوني بأن الضحية، مهما كانت ظروف الواقعة، محمية بنص القانون، وأن المسؤولية الجنائية تقع بالكامل على من يستغل معلومات أو صورًا خاصة للتهديد بها.
ماذا يقول القانون؟
يجرّم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات المصري صراحة فعل الابتزاز الإلكتروني، حيث تنص المادة الخاصة بالاعتداء على المحتوى المعلوماتي الخاص بأي شخص على عقوبة الحبس لمدة لا تقل عن ستة أشهر لكل من يقوم بهذا الفعل، مع تشديد العقوبة في حالات معينة تتعلق بطبيعة المحتوى المستخدم في التهديد. وتؤكد النيابة العامة بشكل مستمر عنايتها التامة بالتصدي لهذا النوع من الجرائم، بما يعكس توجهًا رسميًا لمعاملتها كأولوية أمنية وقضائية، لا كواقعة فردية عابرة.
وقد وضعت الجهات المعنية آليات إبلاغ واضحة لضحايا هذه الجريمة، من أبرزها الخط الساخن المخصص لتلقي بلاغات الجرائم الإلكترونية والذي يعمل على مدار الساعة، إلى جانب إمكانية التوجه مباشرة إلى إدارة مكافحة جرائم الحاسبات وشبكات المعلومات بوزارة الداخلية، سواء بالحضور الشخصي أو عبر الاتصال الهاتفي المباشر بأرقامها المُعلنة.
كيف تحمي نفسك قبل وقوع الابتزاز؟
الوقاية في هذا النوع من الجرائم تبدأ من وعي رقمي بسيط لكنه حاسم؛ فأول قاعدة ذهبية هي عدم مشاركة أي صور أو معلومات شخصية حساسة مع أي شخص، مهما بلغت درجة الثقة أو الألفة في العلاقة، خاصة في التعارفات التي تبدأ حصريًا عبر الإنترنت دون معرفة حقيقية مسبقة بالطرف الآخر. كما يُنصح بمراجعة إعدادات الخصوصية على حسابات التواصل الاجتماعي بشكل دوري، وتقييد من يمكنه رؤية المنشورات الشخصية أو التواصل المباشر، إلى جانب استخدام كلمات مرور قوية ومختلفة لكل حساب، وتفعيل خاصية التحقق بخطوتين حيثما توفرت، لتقليل احتمالية اختراق الحسابات والوصول إلى محتواها الخاص.
أما في حال وقوع الابتزاز فعليًا، فإن الخطوة الأولى والأهم هي عدم الاستجابة لأي مطلب مالي أو غيره، ذلك أن الدفع أو التجاوب مع المبتز غالبًا ما يُشجعه على التصعيد بدلًا من التوقف. ويُنصح بالاحتفاظ بجميع الرسائل والمحادثات التي تحتوي على التهديد كدليل إثبات، والتوجه فورًا إلى الجهات الأمنية المختصة أو الخط الساخن المخصص، دون تأخير أو محاولة لحل الأمر بمفردهم خشية الفضيحة، لأن السرية التي يوفرها الإبلاغ الرسمي في مصر تحمي هوية الضحية، بينما يبقى الصمت هو الحليف الأول للمبتز لا الضحية.
كسر حاجز الصمت هو خط الدفاع الأول
يكشف تصاعد بلاغات الابتزاز الإلكتروني في مصر عن ظاهرة مركبة، تتقاطع فيها الفجوة التقنية في الوعي الرقمي مع فجوة اجتماعية في ثقافة الإبلاغ، خاصة لدى الفئات الأكثر استهدافًا كالنساء والفتيات. وبينما يوفر القانون المصري إطارًا واضحًا لتجريم هذا الفعل وحماية الضحايا، يظل التحدي الأكبر في تجاوز حاجز الخجل والخوف من المساءلة، وترسيخ قناعة مجتمعية بأن الضحية ليست شريكًا في الجريمة، بل الطرف الذي يستحق كل الحماية القانونية والاجتماعية. فكسر صمت الضحايا، لا مجرد تشديد العقوبات، هو ما قد يقلب المعادلة فعليًا لصالح ملاحقة المبتزين بدلًا من إفلاتهم بفعل الصمت المحيط بجرائمهم.
