القانون يحدد خمس حالات حاسمة للرفض
حدد قانون التصالح رقم 187 لسنة 2023 بشكل صريح الحالات التي يُرفض فيها طلب التصالح أو يُعتبر قرار قبوله كأن لم يكن. الحالة الأولى تتعلق برفض اللجنة الفنية المنصوص عليها في القانون للطلب من الأساس، مع فوات مواعيد التظلم على هذا القرار، أو تأييد لجنة التظلمات لقرار الرفض السابق. أما الحالة الثانية فترتبط بالجانب المالي؛ إذ يؤدي عدم سداد كامل مبلغ مقابل التصالح خلال ستين يومًا من تاريخ إخطار مقدم الطلب بموافقة اللجنة، في حالات السداد الفوري، إلى إسقاط الطلب تلقائيًا. وتمتد هذه الحالة المالية إلى صورة أخرى، وهي التقاعس عن سداد قسطين من الأقساط المستحقة في حال اختيار مقدم الطلب نظام السداد بالتقسيط.
أما الحالة الرابعة، فتتعلق بحدوث أي تغيير أو تعديل في العقار محل التصالح بعد تقديم الطلب، وهو ما يعني عمليًا أن أي توسعة أو تعديل إضافي يجريه المالك على العقار أثناء انتظار البت في طلبه يهدد الطلب بالكامل بالرفض. أما الحالة الخامسة والأكثر شيوعًا، فهي عدم صحة المستندات أو البيانات المرفقة بالطلب مقارنة بالواقع الفعلي للمخالفة، سواء كان ذلك عن قصد أو نتيجة إهمال في توثيق البيانات بدقة.
تقرير السلامة الإنشائية: أكثر الأخطاء الفنية شيوعًا
من أبرز الأخطاء التي يقع فيها المواطنون عمليًا، والتي تتصدر أسباب الرفض النهائي للطلبات، مسألة تقرير السلامة الإنشائية للعقار، والذي تعتمد عليه اللجان الفنية بشكل أساسي في تقييم مدى سلامة المبنى وصلاحيته لتقنين أوضاعه. فالقانون يشترط أن يصدر هذا التقرير حصريًا من مكاتب استشارية معتمدة رسميًا أو من مهندسين مقيدين بنقابة المهندسين، غير أن كثيرًا من أصحاب العقارات، رغبة منهم في تقليل التكلفة أو تسريع الإجراءات، يلجأون إلى مهندسين غير معتمدين أو مكاتب غير مسجلة رسميًا، ما يؤدي إلى رفض التقرير من الأساس، وبالتبعية رفض طلب التصالح بأكمله، بصرف النظر عن استيفاء بقية الشروط.
سداد رسم الفحص ومقابل الجدية: خطوة لا يجوز تجاهلها
يخطئ كثير من المواطنين حين يعتقدون أن مجرد التقدم بطلب التصالح يكفي لإيقاف أي إجراءات قانونية أو قرارات إزالة صادرة بحق العقار، في حين تؤكد الجهات المختصة أن تقديم الطلب وحده لا يترتب عليه ذلك الأثر تلقائيًا، بل يُشترط بالتوازي سداد رسم الفحص ومبلغ جدية التصالح، والذي قد يصل إلى نسبة معتبرة من القيمة التقديرية للمخالفة. إغفال هذه الخطوة المالية، أو التأخر فيها، يجعل الطلب عرضة للتوقف أو الرفض حتى لو كانت بقية المستندات مستوفاة بالكامل.
التلاعب في محل التصالح: خطأ يهدم الطلب من أساسه
من الأخطاء الشائعة أيضًا أن يبادر بعض المواطنين، أثناء انتظار البت في الطلب، إلى إجراء تعديلات إضافية على العقار، سواء بزيادة عدد الأدوار أو تغيير طبيعة الاستخدام أو التوسع في المساحة المخالفة أصلًا، معتقدين أن الطلب المقدم سيغطي أي تعديل لاحق. غير أن القانون واضح في اعتبار أي تغيير في "محل التصالح" بعد تقديم الطلب سببًا مباشرًا لإلغاء الموافقة أو رفض الطلب، لأن الجهات الفنية تعتمد في تقييمها على منظومة المتغيرات المكانية وإدارة المساحة للتأكد من مطابقة الطلب للواقع الفعلي للعقار وقت التقديم، وأي تعارض بين البيانات المُقدَّمة والواقع المرصود مساحيًا يُسقط مصداقية الطلب بأكمله.
مهلة إضافية.. لكنها ليست فرصة للتراخي
في ظل استمرار تدفق الطلبات، أصدرت الحكومة قرارًا بمد المهلة المقررة لتقديم طلبات التصالح على بعض مخالفات البناء لمدة ستة أشهر إضافية، ضمن جهودها لإنهاء هذا الملف بشكل نهائي ومنح المواطنين فرصة أكبر لاستكمال مستنداتهم. غير أن هذه المهلة الإضافية لا ينبغي أن تُفهم كذريعة للتراخي في استيفاء الشروط، بل كفرصة لتصحيح المسار وتفادي الأخطاء الشائعة التي أسقطت آلاف الطلبات سابقًا، خاصة مع تأكيد الجهات المعنية أن أي مخالفة للضوابط المحددة تعني رفض الطلب واستئناف الإجراءات القانونية ضد المخالفة من جديد.
التصالح فرصة تتطلب دقة لا مجرد رغبة
تكشف حالات الرفض المتكررة أن قانون التصالح في مخالفات البناء، رغم ما يوفره من تيسيرات حقيقية لتقنين أوضاع ملايين العقارات، ليس إجراءً شكليًا يكفي فيه مجرد التقديم؛ بل عملية دقيقة تتطلب من المواطن الالتزام الصارم بالمواعيد، والاستعانة بجهات فنية معتمدة، والامتناع عن أي تعديل في العقار أثناء نظر الطلب، والحرص على مطابقة كل مستند مقدَّم للواقع الفعلي على الأرض. فالفارق بين نجاح طلب التصالح وفشله لا يكمن غالبًا في تعقيد القانون نفسه، بل في مدى وعي المواطن بتفاصيله الإجرائية الدقيقة، التي قد يكون إغفالها كافيًا لتحويل فرصة تقنين حقيقية إلى مواجهة قانونية جديدة مع قرارات الإزالة.
