مع كل موسم امتحانات ثانوية عامة، تتكرر المشهدية نفسها داخل آلاف البيوت المصرية: طالب خرج للتو من أصعب سنوات عمره الدراسية، وأسرة تتحفز لصياغة "بطاقة الرغبات" التي ستحدد ملامح السنوات المقبلة من حياته. وبينما تنطلق المرحلة الأولى من تنسيق الجامعات لعام 2026 اعتبارًا من الخامس من أغسطس الجاري، يعود إلى الواجهة سؤال يتجدد عامًا بعد عام

طلاب الثانوية العامة أمام مرحلة حاسمة.. المجموع وفرص العمل وطبيعة الدراسة عوامل تحدد اختيار الكلية

 هل يختار الطالب المصري كليته بناءً على رغبته الشخصية وتصوره لمستقبله الوظيفي، أم أن القرار لا يزال أسير منظومة اجتماعية تصنّف الكليات إلى "قمة" و"قاع" بمعزل عن حقيقة سوق العمل؟ المؤشرات الأولية لهذا العام تكشف أن إجابة هذا السؤال بدأت تتغير، وإن ببطء.

 يعود إلى الواجهة سؤال يتجدد عامًا بعد عام: هل يختار الطالب المصري كليته بناءً على رغبته الشخصية وتصوره لمستقبله الوظيفي، أم أن القرار لا يزال أسير منظومة اجتماعية تصنّف الكليات إلى "قمة" و"قاع" بمعزل عن حقيقة سوق العمل؟ المؤشرات الأولية لهذا العام تكشف أن إجابة هذا السؤال بدأت تتغير، وإن ببطء.

سطوة "كليات القمة" لا تزال قائمة

منذ عقود، استقر في الوعي الجمعي المصري مفهوم "كليات القمة"، وعلى رأسها الطب والهندسة، باعتبارها المسار الأوحد لمن يحصل على مجموع مرتفع في الثانوية العامة. وقد رصد أكاديميون وكتّاب هذه الظاهرة باعتبارها صراعًا أسريًا متكررًا كل صيف، حيث يصر كثير من الأولياء على أن يكتب أبناؤهم كليات بعينها ضمن رغباتهم بصرف النظر عن ميول الأبناء الحقيقية. ويرى مراقبون أن ترتيب الأولويات لدى كثير من الأسر المصرية يضع النظرة المجتمعية في المقام الأول، يليها المستقبل المهني، ثم العائد المادي، وهو ترتيب معكوس مقارنة بما تقتضيه المصلحة العملية للطالب.

وقد بلغ هذا التوجه ذروته في سنوات سابقة حين قفزت الحدود الدنيا للقبول في كليات الطب والهندسة إلى مستويات غير مسبوقة تجاوزت 99% وحتى 100% بفعل "منظومة النفخ" في الدرجات، في مشهد وصفه مسؤولون حكوميون بأنه "لا يحدث في العالم". وقد حذّر وزير التعليم العالي في وقت سابق من استمرار هذا التوجه الأعمى نحو كليتي الطب والهندسة تحديدًا، داعيًا الطلاب إلى النظر في التخصصات التكنولوجية الناشئة التي وصفها بأنها ستكون "فاكهة التعليم" في المرحلة المقبلة.

مؤشرات 2026 تكشف تراجعًا في "الحدود الدنيا"

تُظهر البيانات الاسترشادية لتنسيق المرحلة الأولى لعام 2026، والمستندة إلى نتائج عام 2025، أن الحد الأدنى المتوقع لكلية الطب لا يزال هو الأعلى بين الكليات، إذ تشير المؤشرات إلى أن طب القاهرة يحتاج إلى نحو 303.5 درجة من إجمالي المجموع بنسبة تقارب 94.8%، تليه كليات طب المنصورة والزقازيق والإسكندرية بفوارق طفيفة. غير أن هذه الأرقام تأتي في سياق اتجاه عام نحو الانخفاض؛ إذ تشير القراءة الأولية لشرائح المجموع التراكمي لنتيجة 2026 إلى تراجع طفيف في الحد الأدنى للمرحلة الأولى يتراوح بين نصف نقطة ونقطة مئوية كاملة مقارنة بتنسيق العام الماضي، ويُعزى ذلك إلى انخفاض عدد الطلاب الحاصلين على مجاميع تتجاوز 90%.

ويأتي هذا التراجع استكمالًا لمسار بدأ العام الماضي، حين تراجع الحد الأدنى لكلية الطب البشري إلى نحو 93.2% مقارنة بـ95.4% قبل ثلاث سنوات، بينما سجلت كلية الهندسة انخفاضًا أكثر حدة بلغ نحو 88.6%، وهو أدنى مستوى لها منذ أكثر من عقد. ويرجع مسؤولون تربويون هذا التحول إلى سياسات جديدة تبنّتها وزارة التربية والتعليم لضبط عملية التقييم والقضاء على ظاهرة تضخم المجاميع الدراسية بما لا يعكس المستوى الحقيقي للطلاب، سعيًا لاستعادة الثقة في شهادة الثانوية العامة.

صعود التخصصات التكنولوجية كمنافس فعلي

في المقابل، تكشف بيانات هذا الموسم عن اتساع رقعة التخصصات التي باتت تنافس كليات القمة التقليدية على اهتمام الطلاب، وفي مقدمتها كليات الحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي. وبحسب تقارير متخصصة، فإن هذه الكليات تتصدر قائمة التخصصات الأكثر طلبًا في سوق العمل حاليًا، لا سيما في مجالات البرمجة والأمن السيبراني وهندسة البرمجيات وعلوم البيانات، إذ يحصل خريجوها على فرص عمل داخل مصر وخارجها بمرتبات تنافسية، بل إن عددًا من المتميزين فيها يحصلون على عروض عمل قبل التخرج.

ويؤكد المشرف على مكتب تنسيق القبول بالجامعات في وزارة التعليم العالي أن مفهوم كليات القمة يشهد تغيرًا تدريجيًا، موضحًا أن الطب والهندسة سيظلان في مقدمة اختيارات الطلاب لفترة، غير أن تخصصات جديدة بدأت تفرض نفسها بقوة، مثل تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي والروبوتكس والميكاترونكس، باعتبارها تخصصات مرتبطة مباشرة بمتطلبات الثورة الصناعية الرابعة. كما تحظى كلية التمريض التخصصي باهتمام متزايد، خصوصًا مع التوسع في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل وازدياد الطلب على الكوادر التمريضية عالميًا، وهو ما يفتح أمام خريجيها فرص سفر وعمل موسّعة.

الدولة تعيد رسم بوصلة التنسيق

لم يعد التوجه نحو ربط مخرجات التعليم الجامعي باحتياجات سوق العمل مبادرة فردية من الطلاب وحدهم، بل تحول إلى سياسة تعليمية معلنة. فقد أوضحت مصادر في وزارة التعليم العالي أن الوزارة ستستفيد من توصيات لجان متخصصة عند تحديد أعداد الطلاب المقبولين في الكليات المختلفة خلال تنسيق 2026، بهدف تحقيق توافق أكبر بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل الفعلية، مع التركيز على دعم التخصصات الحديثة في المجالات التكنولوجية والطبية والعلمية.

وفي هذا الإطار، أنشأت وزارة التعليم العالي كليات متخصصة في الذكاء الاصطناعي بثلاث عشرة جامعة حكومية موزعة على محافظات الجمهورية، من بينها القاهرة وعين شمس وحلوان والمنوفية والزقازيق وسوهاج والأقصر، إلى جانب ثلاث جامعات خاصة، وذلك لاستيعاب الإقبال المتزايد من طلاب الشعبتين العلمية والأدبية على هذا التخصص. كما تشير تقارير برلمانية ومجتمعية إلى تزايد الطلب على توسيع الطاقة الاستيعابية لكليات الحاسبات والتخصصات الرقمية، باعتبار ذلك نقطة تحول تشريعية وتنفيذية تستهدف سد الفجوة بين ما يخرّجه التعليم الجامعي وما تحتاجه المصانع والشركات الاستثمارية فعليًا. وتراهن الدولة على أن برامج مثل الميكاترونكس والطاقة المتجددة وسلاسل التصنيع، التي توفرها الجامعات التكنولوجية الجديدة المنتشرة في المحافظات، ستمنح خريجيها فرص عمل مباشرة دون الحاجة إلى فترات تدريب طويلة، خلافًا لما اعتاد عليه خريجو التخصصات التقليدية.

يبدو أن معادلة اختيار الكلية في مصر تمر بمرحلة انتقالية حقيقية، لا تعني بالضرورة أفول نجم كليات القمة التقليدية كالطب والهندسة، فهي لا تزال تحتفظ بمكانتها في وعي الأسر المصرية وبحدود دنيا مرتفعة نسبيًا، لكنها تعني أن هذه الكليات لم تعد الخيار الوحيد الجدير بالمجاميع المرتفعة. فالتراجع التدريجي في الحدود الدنيا للقبول بها، إلى جانب الصعود اللافت لكليات الحاسبات والذكاء الاصطناعي والتخصصات التكنولوجية المستحدثة، يعكسان تحولًا مزدوجًا: من جهة، وعي متنامٍ لدى شريحة من الطلاب وأولياء الأمور بأن المستقبل الوظيفي والعائد المادي ينبغي أن يكونا معيارًا أساسيًا في القرار لا معيارًا ثانويًا يأتي بعد الاعتبار الاجتماعي؛ ومن جهة أخرى، تدخل مؤسسي من الدولة يسعى إلى إعادة توجيه بوصلة التعليم العالي بما يتماشى مع احتياجات سوق عمل يتغير بوتيرة متسارعة. ويبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان هذا التحول سيتعمق في السنوات المقبلة ليعيد كليًا رسم خريطة "كليات القمة" في مصر، أم أن الموروث الاجتماعي سيظل عاملًا حاسمًا يقاوم منطق سوق العمل لسنوات أخرى.