حملات الإزالة.. لا يكاد يمر أسبوع دون أن تعلن أجهزة المدن الجديدة والمحافظات عن حملة ميدانية جديدة لإزالة مخالفات بناء، سواء في صورة أدوار مخالفة تُهدم، أو شدات خشبية تُصادر، أو قرارات إزالة تصدر بحق قطع أراضٍ بعينها. وتتكرر هذه المشاهد بانتظام لافت في مدن مثل حدائق أكتوبر وبدر والعاشر من رمضان وبني سويف الجديدة، وسط تأكيدات رسمية متجددة على "استمرار الحملات" و"الحفاظ على الطابع الحضاري". لكن استمرار هذه الحملات، شهرًا بعد شهر وعامًا بعد عام، يطرح سؤالًا أكثر جوهرية من مجرد رصد الإزالات: لماذا يستمر المواطن المصري في الوقوع في مخالفة البناء من الأساس، رغم إدراكه المسبق لحجم المخاطرة القانونية والمالية التي يقدم عليها؟ الإجابة، كما تكشفها الوقائع، لا تكمن في جانب واحد، بل في تقاطع معقد بين تعقيد الإجراءات، وكلفة البدائل القانونية، وضغوط اقتصادية تدفع المواطن أحيانًا إلى المخالفة عن اضطرار لا عن تحدٍ.
حملات لا تتوقف.. ومخالفات لا تتوقف
تكشف متابعة الأشهر الأخيرة أن وتيرة حملات الإزالة لم تهدأ في أي محافظة تقريبًا. ففي المدن الجديدة وحدها، نفذت أجهزة التنمية حملات مكثفة شملت إزالة مخالفات بناء بمناطق جاردينيا وحدائق الياسمين والفردوس بحدائق أكتوبر، إلى جانب وقف محاولات تغيير استخدام الوحدات ومصادرة معدات البناء المخالف. كما أصدرت وزيرة الإسكان قرارات إزالة مباشرة لمخالفات بناء في مدينتي بدر وبني سويف الجديدة، في إطار ما وصفته الوزارة بخطة مستمرة للتصدي للبناء المخالف. وفي القاهرة، بدأت المحافظة اتخاذ إجراءات قانونية تجاه أصحاب المخالفات الذين لم يلتزموا بالتصالح وتقنين أوضاعهم، فيما وجّهت وزيرة التنمية المحلية والبيئة باستمرار حملات التفتيش المفاجئة على جميع الأحياء والمراكز والمدن لضبط أي تجاوزات فور رصدها.
ورغم هذا الزخم الرقابي المستمر، فإن الحملات نفسها تعيد إنتاج نفسها في المواقع ذاتها كل بضعة أسابيع، وهو ما يوحي بأن المشكلة ليست في غياب الرقابة بقدر ما هي في استمرار الأسباب البنيوية التي تدفع المواطن، جيلًا بعد جيل، إلى مخالفة قانون البناء.
تعقيد الترخيص.. حين يتحول الالتزام إلى عبء
من أبرز الأسباب التي يشير إليها متابعون للملف هو أن الطريق القانوني نحو الحصول على ترخيص بناء لا يزال، رغم محاولات التبسيط المتكررة، أطول وأعقد مما يحتمله كثير من المواطنين. فقد اعترفت وزارة التنمية المحلية بأن التعقيدات الكبيرة التي واجهت المواطنين في الحصول على تراخيص البناء ارتبطت بالاشتراطات البنائية والتخطيطية الصادرة عام 2021، وهو ما دفع الوزارة إلى تقليص عدد الخطوات المطلوبة من 15 خطوة إلى 8 فقط ضمن مراكز التكنولوجيا بالأحياء، على أن تستغرق إجراءات إصدار الترخيص نحو 26 يومًا في الحالات العادية، وترتفع إلى 40 يومًا في الحالات التي تستلزم تقديم وثيقة تأمين.
وبرغم هذا التبسيط المعلن، لا تزال أصوات برلمانية تصف بعض الإجراءات التنفيذية بأنها "تعجيزية"، محذرة من أن أداء بعض الأجهزة التنفيذية يعرقل توجيهات الدولة نحو تيسير التراخيص للمواطنين، بما يدفع كثيرين إما إلى التوقف عن البناء تمامًا أو اللجوء إلى البناء دون ترخيص كأمر واقع، في وقت يمس فيه هذا الركود قطاعًا حيويًا يعمل فيه ملايين المصريين، هو قطاع البناء والتشييد. وتزداد المفارقة حدة حين يضطر المواطن إلى الانتظار شهورًا لاستخراج ترخيص لبناء لا يتجاوز طابقين أو ثلاثة في قرية أو حي شعبي، بينما تدفعه الحاجة السكنية الملحة، كتوفير مسكن لأبنائه المقبلين على الزواج مثلًا، إلى البدء في البناء بمعزل عن استكمال الأوراق.
غياب البدائل السكنية المخططة وكلفتها
إلى جانب تعقيد المسار القانوني، يبرز عامل اقتصادي لا يقل أهمية، يتمثل في الفجوة بين أسعار الأراضي والوحدات داخل النطاق العمراني المخطط، وبين القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين، خصوصًا في الريف والمناطق شبه الحضرية. فحين تكون الأرض الواقعة داخل الحيز العمراني المعتمد باهظة الثمن أو غير متاحة أصلًا، بينما تظل الأرض الزراعية المجاورة أرخص وأقرب لمكان سكن الأسرة وعملها، يجد كثير من المواطنين أنفسهم أمام إغراء اقتصادي مباشر للبناء عليها رغم علمهم بأنها مخالفة صريحة يعاقب عليها القانون بعقوبات مغلظة. ويرتبط هذا الاتجاه بأزمة أعمق تمس القطاع الزراعي نفسه؛ إذ يدفع تراجع جدوى الزراعة، جراء ارتفاع تكاليف الأسمدة وتراجع عوائد توريد المحاصيل، بعض الفلاحين إلى "تبوير" أراضيهم تمهيدًا لتحويلها إلى أراضي بناء، باعتبارها أعلى قيمة سوقية من استمرار زراعتها، خاصة في المحافظات المزدحمة سكانيًا بالوجهين القبلي والبحري.
وقد حاول المشرّع فتح كوة استثناء محدودة لمواجهة هذا الواقع، إذ يسمح قانون البناء الموحد ببناء مسكن خاص أو مبنى خدمي على أراضٍ زراعية واقعة خارج الحيز العمراني للقرى والمدن، لكن ذلك مشروط بضوابط يصدر بها قرار من الوزير المختص بالزراعة، وهي ضوابط لا يدرك كثير من المواطنين تفاصيلها أو لا تنطبق على حالتهم الفعلية، فيقعون في المخالفة دون قصد مسبق للتحايل على القانون بقدر ما هو محاولة لتأمين سكن أسري بأقل تكلفة ممكنة.
ضعف الردع وتكرار قوانين التصالح
يضاف إلى ما سبق عامل نفسي وسلوكي رسّخته السياسات المتعاقبة نفسها: تكرار طرح قوانين "التصالح" في مخالفات البناء على مدى السنوات الماضية، وما رافقها من مد متكرر لمهل التقديم. فوزارة التنمية المحلية أعلنت في وقت سابق تلقيها أكثر من 550 ألف طلب تصالح جديد خلال أشهر معدودة فقط، وهو رقم يعكس حجم المخالفات المتراكمة من ناحية، لكنه يعكس من ناحية أخرى أن المواطن بات يدرك، عبر تجربة متكررة، أن مخالفة اليوم قابلة للتقنين غدًا مقابل غرامة مالية، وهو ما يضعف من الأثر الرادع للقانون رغم أن عقوبة البناء دون ترخيص تصل نصًّا إلى الحبس مدة لا تتجاوز خمس سنوات وغرامة تتراوح بين 50 و200 ألف جنيه. فحين تتحول "المخالفة القابلة للتصالح لاحقًا" إلى مسار مألوف ومتوقع، تفقد الحملات الميدانية جزءًا من قدرتها على تغيير سلوك المواطن الوقائي، وتتحول من أداة ردع مسبق إلى أداة ضبط لاحق فقط.
تكشف قراءة أسباب استمرار مخالفات البناء في مصر أن الظاهرة أعقد من أن تُختزل في وصف المواطن بمخالف للقانون أو مستهتر بالضوابط. فهي في جوهرها محصلة تراكمية لثلاثية متشابكة: إجراءات ترخيص لا تزال، رغم التبسيط المعلن، أبطأ من إيقاع الحاجة السكنية الفعلية؛ وفجوة اقتصادية بين كلفة الأرض المخططة وقدرة المواطن على تحملها، تدفعه أحيانًا نحو الأرض الزراعية الأرخص والأقرب؛ ومنظومة تصالح متكررة رسّخت في الوعي الجمعي أن المخالفة قابلة للتقنين لاحقًا، فأضعفت من الأثر الرادع لحملات الإزالة نفسها. وطالما بقيت هذه الأسباب الثلاثة قائمة دون معالجة جذرية تتجاوز الحل الأمني والإداري إلى إصلاح تخطيطي واقتصادي حقيقي، فإن حملات الإزالة، مهما اتسعت رقعتها وتكررت وتيرتها، ستظل تعالج أعراض الأزمة دون أن تصل إلى جذورها، وستبقى المدن المصرية أسيرة دائرة متكررة من البناء والمخالفة والإزالة.
