لم يعد السؤال عن فاتورة الإنترنت الشهرية تفصيلة هامشية في حياة المصريين، بل تحوّل إلى بند ثابت في حسابات الأسرة، يُقارَن بفاتورة الكهرباء والمياه من حيث الإلحاح والضرورة. فمع كل موجة زيادة في الأسعار، يعود إلى الواجهة سؤال أكثر إلحاحًا: هل يحصل المواطن على خدمة تُوازي ما يدفعه، أم أن المعادلة اختلت لصالح الفاتورة وحدها؟ الإجابة تتشكل من ثلاثة خيوط متشابكة: أسعار ترتفع بمعدل شبه سنوي، وجودة خدمة تتراجع في تقييمات المؤشرات العالمية، واعتماد متصاعد على الشبكة بات يجعل الانقطاع عنها أقرب إلى أزمة معيشية منه إلى إزعاج تقني عابر.
الزيادة الجديدة بالأرقام
في مايو 2026 وافق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات على تحريك أسعار عدد من خدمات الاتصالات والإنترنت بنسب تراوحت بين 9% و15% شاملة الضريبة، في أول تعديل معتمد رسميًا منذ نحو عام ونصف. الزيادة طالت باقات الإنترنت الأرضي لدى الشركات الأربع العاملة في السوق -المصرية للاتصالات (WE)، فودافون، أورنج، وإي آند- فارتفعت باقة الـ140 جيجابايت، وهي الأكثر انتشارًا بين المشتركين، من نحو 239 جنيهًا إلى ما بين 275 و287 جنيهًا شهريًا، بينما قفزت باقة الـ200 جيجابايت إلى ما يقارب 397 جنيهًا، وتخطت باقة الـ400 جيجابايت حاجز الـ780 جنيهًا.
الزيادة لم تقتصر على الإنترنت الأرضي؛ فباقات الإنترنت الهوائي، التي يعتمد عليها كثير من الأسر كبديل عن الخط الأرضي، ارتفعت هي الأخرى، إذ باتت باقة الـ135-140 جيجابايت تُباع بنحو 520 جنيهًا، وباقة الـ400 جيجابايت بما يتجاوز 1270 جنيهًا. أما على صعيد المحمول، فتبدأ باقات البيانات من نحو 37 جنيهًا لسعات محدودة بالميجابايت، فيما تتجاوز باقات الفواتير الكبرى الـ600 جنيه شهريًا.
في المقابل، حاول الجهاز التنظيمي تلطيف وقع الزيادة بطرح خيار اقتصادي أرخص من السابق، وباقات بسعات أكبر لبعض الفئات، إضافة إلى إتاحة عدد من المواقع الحكومية والتعليمية مجانًا حتى بعد نفاد رصيد الباقة، لكن هذه الإجراءات لم تُخفِّف من حدة الجدل حول توقيت الزيادة وتكرارها، خصوصًا أنها الثانية خلال أقل من عامين في قطاع يوصف رسميًا بأنه "تنافسي"، فيما تشير تصريحات لخبراء بالقطاع إلى أن أي تعديل سعري -رغم وجود أربع شركات مشغّلة- لا يمر مباشرة، بل عبر موافقة الجهاز المنظم أولًا، وهو ما يجعل حركة الأسعار أقرب إلى قرار مركزي منها إلى نتيجة منافسة سوقية حرة.
جودة الخدمة تحت المجهر.. شكاوى لا تهدأ
توازي الزيادات السعرية موجة متصاعدة من الشكاوى المتعلقة بجودة الخدمة ذاتها، فمنذ مطلع 2026 تصاعدت على منصات التواصل الاجتماعي حملات تطالب بإتاحة باقات إنترنت غير محدودة، بعدما اشتكى كثير من المستخدمين من نفاد باقاتهم قبل نهاية الشهر رغم الاستخدام "العادي"، وسط تفسيرات رسمية تُرجع الأمر إلى التوسع في شبكات الألياف الضوئية والجيل الخامس اللذين يرفعان معدلات الاستهلاك تلقائيًا.
الملف وصل إلى قبة البرلمان، حيث ناقش النواب تكرار شكاوى المواطنين من بطء السرعات في عدد من المحافظات، وتأخر إصلاح الأعطال، وسرعة استنفاد الباقات الشهرية، مع مطالبات بإنشاء منصة موحدة لتلقي البلاغات ومتابعة أداء الشركات. وأكد أحد النواب المعنيين بالملف أن الإنترنت لم يعد خدمة ترفيهية بل ضرورة تمس التعليم والعمل والخدمات الحكومية والبنكية، وهو ما يستوجب -بحسب رؤيته- تطويرًا مستمرًا للبنية التحتية بالتوازي مع أي تعديل سعري.
الأرقام العالمية تدعم هذا القلق؛ إذ جاءت مصر، وفق مؤشر Speedtest Global Index لشهر مارس 2026، في المركز 78 عالميًا من حيث سرعة الإنترنت الثابت، والمركز 83 في سرعة الإنترنت عبر المحمول. وهو ترتيب دفع أحد أعضاء مجلس النواب إلى التحذير من أن الشمول الرقمي لا يتحقق بخفض السعر وحده، بل يرتبط بحجم الباقة الفعلي وقدرتها على تمكين المستخدم من الدراسة والعمل وإدارة أعماله بثبات، محذرًا من أن استمرار احتكار البنية التحتية لدى لاعب رئيسي في السوق يبقي فجوة الجودة قائمة رغم اتساع رقعة التغطية.
اعتماد متصاعد.. لماذا لم يعد الإنترنت رفاهية؟
يزداد المشهد تعقيدًا حين يُقاس بمعدلات الاعتماد اليومي على الشبكة. فبحسب بيانات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ارتفع عدد مستخدمي إنترنت المحمول في مصر إلى نحو 96.26 مليون مستخدم بنهاية مايو 2026، بزيادة سنوية تجاوزت 8.9 مليون مستخدم ومعدل نمو بلغ نحو 10.2%، فيما قفزت نسبة مستخدمي الإنترنت من إجمالي مشتركي المحمول إلى ما يقارب 76%. كما شهدت اشتراكات الإنترنت عبر الأجهزة غير الهاتفية -مثل أجهزة الراوتر المحمول وإنترنت الأشياء- نموًا سنويًا تجاوز 22%.
هذا التوسع لا يعكس ترفًا استهلاكيًا فحسب، بل يرتبط مباشرة بانتقال شرائح واسعة من الخدمات الأساسية إلى الفضاء الرقمي: من التعليم عبر المنصات الإلكترونية، إلى الخدمات الحكومية والبنكية، وصولًا إلى التجارة الإلكترونية التي بلغ عدد مستخدميها نحو 29.8 مليون متسوق بإجمالي 10.5 مليون زيارة يومية. وفي الوقت ذاته، يتصدر الاستهلاك الترفيهي -من تطبيقات المشاهدة والفيديوهات القصيرة- قائمة الأنشطة الأسرع نموًا، بزيادات تجاوزت 60% في بعض التطبيقات خلال عام واحد، وهو ما يفسر جزئيًا سرعة استنفاد الباقات التي يشتكي منها المستخدمون.
النتيجة أن الإنترنت تحوّل، في تعبير أحد المتخصصين بالقطاع، إلى بنية أساسية موازية للطرق والكهرباء والموانئ، لا يمكن الاستغناء عنها أو تأجيل التعامل معها كسلعة كمالية، بينما لا تزال فجوة رقمية واضحة تفصل بين المدن الكبرى وبعض القرى النائية التي تعتمد على سرعات أدنى بكثير، رغم الجهود المعلنة لربط مئات القرى بالشبكة القومية للألياف الضوئية.
معادلة مختلة.. من يتحمل الفارق؟
يكشف المشهد مجتمعًا عن معادلة غير متوازنة: فاتورة ترتفع بمعدل شبه سنوي بحجة تحديث البنية التحتية وارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة، مقابل خدمة تصنَّف دوليًا في مراتب متأخرة من حيث السرعة، وسط بنية سوقية توصف رسميًا بالتنافسية لكنها عمليًا تمر عبر بوابة تنظيمية واحدة تحدد سقف الأسعار وتوقيت تحريكها. المواطن، في المقابل، لا يملك خيارات بديلة حقيقية خارج الشركات الأربع العاملة، ولا أداة ضغط سوى الشكوى التي يتكرر رفعها إلى البرلمان دون أن تترجم -حتى الآن- إلى تحسن ملموس في مؤشرات الجودة.
بين زيادة سعرية متكررة وخدمة لا تزال بعيدة عن مصاف الدول المتقدمة رقميًا، يجد المواطن المصري نفسه أمام معادلة صعبة: الاستمرار في الدفع رغم تصاعد الأعباء، أو تقليص استخدامه لخدمة باتت شرطًا أساسيًا لممارسة الحياة اليومية بشقّيها التعليمي والاقتصادي. ومع استمرار نمو قاعدة المستخدمين وتوسع الاعتماد على الخدمات الرقمية، يبدو أن الفجوة بين ما يُدفع وما يُقدَّم لن تُغلق إلا عبر إصلاح هيكلي حقيقي في سوق الاتصالات، يوازن بين استدامة استثمارات الشركات وحق المواطن في خدمة تليق بما يدفعه شهريًا من راتبه.
