«الصكوك الضريبية قد تعيد رسم خريطة التمويل في مصر».. عبد المنعم السيد: أداة جديدة لخفض تكلفة الدين وتحرير تمويل البنوك للقطاع الخاص

أكد الدكتور عبد المنعم السيد، المستشار المالي والضريبي، أن فكرة الصكوك الضريبية تفتح بابًا جديدًا أمام إدارة الدين العام في مصر، باعتبارها لا تمثل مجرد وسيلة لتوفير سيولة عاجلة للخزانة العامة، وإنما يمكن أن تتحول إلى أداة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص في إدارة التدفقات النقدية، شريطة أن يتم تصميمها وفق قواعد واضحة ومتوازنة تحافظ على سيولة الشركات وتحقق للدولة وفرًا حقيقيًا في تكلفة التمويل.

عبد المنعم السيد يكشف فكرة الصكوك الضريبية 

وأوضح عبد المنعم السيد في تصريح خاص لـ "خمسة سياسة"، أن الفكرة تقوم، بصورة مبسطة، على أن يقوم الممول بسداد جزء من التزاماته الضريبية المستقبلية مقدمًا، مقابل الحصول على ميزة مالية أو عائد، على أن يتم استخدام قيمة الصك لاحقًا في تسوية التزاماته الضريبية المستقبلية.

وأضاف أن جاذبية الصكوك بالنسبة للدولة تتمثل في أن الخزانة تحصل على الأموال في الوقت الحالي بدلًا من انتظار تحصيلها مستقبلًا، وهو ما قد يسهم في تقليل الاحتياجات التمويلية والحد من اللجوء إلى الاقتراض المحلي، خصوصًا إذا تم توجيه السيولة الناتجة إلى سداد أو إعادة تمويل أدوات دين مرتفعة التكلفة.

عبد المنعم السيد: الصكوك قد تتحول من أداة للسيولة إلى أداة لإدارة الدين العام

وقال المستشار المالي والضريبي إن الصكوك الضريبية يمكن أن تتحول من مجرد أداة لتحسين السيولة إلى أداة لإدارة الدين العام وخفض تكلفة خدمته، موضحًا أن التحدي الحقيقي أمام المالية العامة المصرية لا يتعلق بحجم الدين فقط، وإنما أيضًا بتكلفة خدمته واحتياجات إعادة تمويله.

وأشار إلى أن استمرار الضغوط المرتبطة بالدين العام يجعل تخفيف الاعتماد على الاقتراض المحلي هدفًا اقتصاديًا مهمًا، مؤكدًا أن نجاح الصكوك في توفير مصدر تمويل بديل يمكن أن يساهم في تخفيف الضغط على الجهاز المصرفي.

«تحرير التمويل للقطاع الخاص».. الحلقة الأهم في المعادلة

وتابع عبد المنعم السيد: «الحكومة عندما تحصل على جزء من التمويل من الممولين مباشرة، قد تحتاج إلى اقتراض أقل من البنوك، وإذا أعادت البنوك توجيه الموارد التي كانت ستستخدم في تمويل الحكومة إلى الشركات والمشروعات، فإن الصكوك يمكن أن تخلق مساحة ائتمانية جديدة للقطاع الخاص».

وأوضح أن هذه العملية قد تدعم الاستثمار والتوسع الإنتاجي والتشغيل، لتبدأ دورة اقتصادية جديدة تتمثل في سيولة أكبر لدى الخزانة، واقتراض حكومي أقل من البنوك، وتمويل أكبر للقطاع الخاص، واستثمارات جديدة، وزيادة الإنتاج والتشغيل، ثم توسع القاعدة الضريبية وارتفاع الحصيلة مستقبلًا.

تحذير من سحب سيولة الشركات

وفي المقابل، شدد عبد المنعم السيد على ضرورة عدم تجاهل التأثير المحتمل للصكوك الضريبية على سيولة الشركات، موضحًا أن الشركة التي تشتري الصك ستدفع أموالًا من خزينتها اليوم مقابل الاستفادة منه في تسوية التزام ضريبي مستقبلي.

وقال إن الصك «لا يخلق سيولة جديدة للشركة، بل قد يؤدي في البداية إلى سحب جزء من السيولة المتاحة لديها»، لافتًا إلى أن السيولة بالنسبة للشركات ليست أموالًا راكدة، وإنما هي الوقود الذي يمول رأس المال العامل وشراء المواد الخام والمخزون وسداد الموردين والأجور وتمويل التوسعات.

وأكد أن قرار الشركة بشراء الصك يجب أن يقوم على مقارنة دقيقة بين الميزة أو العائد الذي ستحصل عليه وبين العائد الذي يمكن أن تحققه إذا استخدمت السيولة في نشاطها الأساسي.

وأضاف: إذا كانت الشركة تمتلك فوائض نقدية غير مستغلة وكان العائد الفعلي للصك جذابًا، فقد يمثل الصك فرصة جيدة لإدارة السيولة، أما إذا كانت الشركة تحتاج إلى السيولة لتوسيع مصنع أو شراء معدات أو زيادة الإنتاج، فقد يكون الاحتفاظ بالسيولة أكثر فائدة.

الثقة والاستقرار التشريعي.. مفتاح نجاح التجربة

وأشار المستشار المالي والضريبي إلى أن العامل النفسي والثقة في النظام يمثلان عنصرين أساسيين في نجاح تجربة الصكوك الضريبية، موضحًا أن الشركات لن تنظر فقط إلى نسبة الخصم أو العائد، وإنما ستبحث عن إجابات لعدد من الأسئلة، من بينها: هل ستظل قواعد استخدام الصك مستقرة؟ وهل سيكون مقبولًا بالكامل عند حلول الالتزام الضريبي؟ وهل يمكن تحويله أو تسييله؟ وهل يمكن الاعتماد عليه في التخطيط المالي لعدة سنوات؟

وأكد أن كلما زادت درجة اليقين والثقة في النظام، ارتفعت جاذبية الصك، مشددًا على أن الاستقرار التشريعي والوضوح المحاسبي والضريبي قد يكونان أكثر أهمية من مجرد الإعلان عن عائد مرتفع.

هل تزيد الصكوك الحصيلة الضريبية؟

وحول تأثير الصكوك على الحصيلة الضريبية، أوضح عبد المنعم السيد أن الصكوك لا تعني بالضرورة زيادة الحصيلة الضريبية، كما لا تعني بالضرورة انخفاضها بالقيمة الاسمية، وإنما يحدث بشكل أساسي تغيير في توقيت التحصيل، حيث تحصل الدولة اليوم على جزء من الأموال التي كانت ستحصل عليها مستقبلًا.

وأشار إلى أنه إذا منحت الدولة الممول خصمًا أو عائدًا مقابل السداد المبكر، فإن هناك تكلفة مالية لهذه العملية، وبالتالي فإن السؤال الأهم هو: هل القيمة الاقتصادية للسيولة التي حصلت عليها الدولة مقدمًا، وما وفرته من فوائد، أكبر من تكلفة الخصم أو العائد الذي ستتحمله الخزانة؟

وأكد أنه إذا كانت الإجابة نعم، تكون الصكوك قد حققت وفرًا حقيقيًا، أما إذا كانت تكلفة الصك مساوية أو أعلى من تكلفة الاقتراض البديل، فإن الأثر سيكون في الأساس إعادة ترتيب زمني للسيولة، وليس خفضًا حقيقيًا في تكلفة التمويل.

السيناريو الأفضل: توجيه السيولة إلى الاستثمار والإنتاج

ولفت عبد المنعم السيد إلى وجود سيناريو أكثر إيجابية يتمثل في أن يؤدي انخفاض الاقتراض الحكومي من البنوك إلى زيادة التمويل المتاح للقطاع الخاص، موضحًا أنه إذا استخدمت الشركات هذا التمويل في الاستثمار والتوسع، فإن الاقتصاد يمكن أن يحقق زيادة في الإنتاج والأرباح والتشغيل والصادرات، وبالتالي تتوسع القاعدة الضريبية.

وأضاف أن زيادة النشاط الاقتصادي قد تؤدي مستقبلًا إلى حصيلة ضريبية أكبر، بما يعوض جزئيًا تكلفة الميزة التي منحتها الدولة للممولين.

وقال إن الصكوك في هذه الحالة يمكن أن تتحول من مجرد أداة لتقديم الضريبة إلى أداة لتحفيز الاستثمار بصورة غير مباشرة، لأن كل جنيه يخرج من تمويل الحكومة ويتجه إلى تمويل مصنع أو شركة منتجة يمكن أن يخلق قيمة مضافة وفرص عمل وإنتاجًا وصادرات وإيرادات ضريبية جديدة.

تحذير من الإفراط في إصدار الصكوك

وحذر المستشار المالي والضريبي من أن الإفراط في إصدار الصكوك قد يؤدي إلى سحب قدر كبير من السيولة من الشركات، خصوصًا الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد بدرجة كبيرة على رأس المال العامل.

وأوضح أن هذا الأمر قد يجعل جزءًا من المكسب الذي تحققه الخزانة يأتي على حساب الاستثمار الخاص، مؤكدًا أن التحدي أمام الحكومة ليس تعظيم حجم الصكوك، وإنما تحقيق التوازن الصحيح بين السيولة العامة والسيولة الخاصة.

عبد المنعم السيد يضع روشتة نجاح الصكوك الضريبية

ويرى عبد المنعم السيد أن أفضل تصميم للصكوك الضريبية هو أن تكون اختيارية، واضحة القواعد، ذات عائد أو خصم محسوب اقتصاديًا، مع ضمان إمكانية استخدامها في تسوية الالتزامات الضريبية المستقبلية بصورة مستقرة، إلى جانب دراسة إمكانية تداولها أو تحويلها وفق ضوابط مناسبة.

وشدد على أهمية توجيه حصيلة الصكوك بالدرجة الأولى إلى خفض الدين الأعلى تكلفة أو تمويل استثمارات ذات عائد اقتصادي، وليس إلى تمويل زيادة مستمرة في الإنفاق الجاري.

وأوضح أن النموذج المصري المقترح يتميز بارتباط الصك بالالتزام الضريبي للممول نفسه، وهو ما يجعل تصميمه النهائي عاملًا حاسمًا في تحديد مدى نجاح التجربة.

«ليست مكسبًا مجانيًا للدولة ولا تكلفة خالصة على الشركات»

وأكد عبد المنعم السيد أن الصكوك الضريبية «ليست مكسبًا مجانيًا للدولة ولا تكلفة خالصة على الشركات، وإنما هي عملية لإعادة توزيع السيولة عبر الزمن وبين قطاعات الاقتصاد».

وأوضح أن الحكومة تحصل على سيولة مبكرة، بينما تتحمل الشركة خروج السيولة مبكرًا مقابل ميزة مالية، وقد تستفيد البنوك من انخفاض الطلب الحكومي على الائتمان، في حين يمكن للاقتصاد أن يستفيد من زيادة الاستثمار إذا تمت إعادة توجيه الموارد بكفاءة.

واختتم المستشار المالي والضريبي حديثه بالتأكيد على أن الحكم الحقيقي على تجربة الصكوك الضريبية لا يجب أن يكون بحجم الأموال التي ستجمعها الخزانة فقط، وإنما بما ستنجح في تحقيقه من خفض تكلفة الدين، وتحرير التمويل للقطاع الخاص، وحماية سيولة الشركات، وزيادة الاستثمار والإنتاج، ثم توسيع القاعدة الضريبية ورفع الحصيلة مستقبلًا.

وأكد أن نجاح مصر في تحقيق هذه المعادلة قد يحول الصكوك الضريبية من مجرد أداة لتمويل الخزانة إلى حلقة وصل بين إصلاح المالية العامة والاستثمار الخاص والنمو الاقتصادي، بينما إذا اقتصرت على تقديم حصيلة الضرائب المستقبلية إلى الحاضر دون خفض حقيقي لتكلفة الدين أو زيادة النشاط الاقتصادي، فستظل في النهاية أداة لإدارة توقيت السيولة، وليس أداة لصناعة نمو جديد.

للمزيد اضغط هنـــــــــــــــــــــــــا 

للمزيد اضغط هنـــــــــــــــــــــــــا