مع اقتراب بدء العام الدراسي الجديد 2026/2027، يتحول التعليم إلى أحد أكبر البنود التي تثقل ميزانية كثير من الأسر المصرية، وسط حسابات دقيقة بين الدخل الشهري وفاتورة تعليم الأبناء التي تتصاعد عامًا بعد آخر. فبين مدرسة دولية تتجاوز مصروفاتها نصف مليون جنيه سنويًا، وكلية خاصة تصل تكلفة الالتحاق بها إلى مئات الآلاف، وجامعة حكومية «مجانية» تحمّل الأسرة أعباء غير مباشرة من الدروس الخصوصية والكتب والمواصلات، يجد كثير من أولياء الأمور أنفسهم أمام معادلة تتجاوز قدرتهم المالية، ويتحول معها التعليم، الذي كان يومًا حقًا دستوريًا مكفولًا للجميع، إلى سلعة تُقاس بالقدرة الشرائية لا بالجدارة العلمية. فهل يتحول التعليم في مصر فعليًا إلى امتياز يقتصر على الأسر الميسورة، فيما تُترك الغالبية أمام خيارات متضائلة ومتاعب مالية متزايدة؟

المدارس الدولية.. سباق أسعار لا يعرف السقف

كشفت بيانات المدارس الدولية للعام الدراسي الجديد عن فجوة صادمة في المصروفات بين مؤسسة وأخرى، إذ تتراوح الرسوم السنوية من نحو 75 ألف جنيه في مراحلها الأولى إلى ما يتجاوز 185 ألف جنيه في مدارس مثل نفرتاري الدولية، بينما تصل مصروفات مرحلة الروضة الأولى في مدارس أخرى كميتروبوليتان الدولية إلى 210 آلاف جنيه سنويًا فقط لأصغر الطلاب سنًا. أما في فئة المدارس الأمريكية والبريطانية ذات الاعتماد الدولي الرفيع، فتقفز الأرقام إلى مستوى مختلف تمامًا، حيث تصل مصروفات بعض هذه المدارس، بعد إضافة رسوم التسجيل الأولى التي قد تبلغ 14 ألف دولار تُدفع مرة واحدة، إلى ما يقارب 800 ألف جنيه سنويًا للمرحلة الثانوية وحدها.

وفي مواجهة هذا التصاعد، حددت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني شرائح رسمية للزيادة السنوية المسموح بها في المدارس الخاصة ذات المناهج الدولية، تراوحت بين 5% للمدارس التي تبدأ مصروفاتها من 200 ألف جنيه فأكثر، و10% للمدارس التي تقل مصروفاتها عن 50 ألف جنيه، على أن يُعلن القرار النهائي لهذا العام بنهاية أغسطس الجاري. غير أن هذه النسب، رغم محاولتها ضبط السوق، لا تغيّر من الواقع الأساسي: أن هذه الشريحة من التعليم باتت بعيدة كليًا عن متناول الأسرة المصرية متوسطة الدخل، في ظل حد أدنى للأجور لا يتجاوز 8000 جنيه شهريًا بعد آخر زيادة حكومية، أي أقل من مصروفات شهر دراسي واحد في كثير من هذه المؤسسات.

وفي المقابل، لا تبدو المدارس الحكومية أو الرسمية المتميزة للغات حلًا كافيًا لكل الأسر الباحثة عن جودة تعليمية أعلى من التعليم الحكومي التقليدي، إذ تصل مصروفات المدارس الرسمية للغات إلى نحو 4400 جنيه سنويًا، وهو مبلغ يبقى في متناول شريحة أوسع، لكنه يظل عاجزًا عن منافسة جودة المدارس الخاصة والدولية من حيث الإمكانات والمناهج، ما يجعل هذه المدارس مطلبًا صعب المنال بسبب محدودية الأماكن المتاحة والإقبال الكثيف عليها.

الجامعات الخاصة والأهلية.. حلم بأثمان مضاعفة

مع انطلاق تنسيق الجامعات لعام 2026، وجد كثير من طلاب الثانوية العامة وأسرهم أنفسهم أمام معضلة مضاعفة: مجموع دراسي قد لا يؤهلهم لكلية القمة الحكومية التي حلموا بها، وبديل خاص أو أهلي تبدو مصروفاته بعيدة المنال. فمصروفات كليات الطب في الجامعات الخاصة تبدأ من نحو 165 ألف جنيه للترم الواحد في مؤسسات كجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بينما تتراوح مصروفات كلية طب الأسنان بالجامعة الألمانية بالقاهرة بين 184 و218 ألف جنيه للترم، أي ما يقارب نصف مليون جنيه سنويًا لكلية واحدة. وتصل مصروفات كلية الهندسة في بعض الجامعات إلى ما بين 310 و370 ألف جنيه سنويًا، فيما تبدأ مصروفات كليات أقل تكلفة نسبيًا، كإدارة الأعمال أو الاقتصاد في بعض الجامعات الأهلية، من نحو 40 ألف جنيه سنويًا، وهو ما يمثل الحد الأدنى الذي لا تزال معه هذه الشريحة من التعليم خارج حسابات نسبة كبيرة من الأسر.

وتضاف إلى هذه الأرقام رسوم إدارية غير قابلة للاسترداد قد تبلغ نحو 13 ألف جنيه عند الالتحاق لأول مرة، فضلًا عن رسوم سنوية لاستخدام المرافق والمعامل، بما يرفع التكلفة الإجمالية الفعلية عن الرقم المُعلن للمصروفات الدراسية وحدها. ويزيد الأمر تعقيدًا أن هذه المصروفات ليست ثابتة، بل تخضع لزيادات سنوية معتادة، ما يجعل الأسرة التي تلتحق بابنها في كلية خاصة اليوم مطالبة بحساب تصاعدي للتكلفة على مدار سنوات الدراسة الأربع أو الست القادمة، دون ضمانة واضحة لسقف هذه الزيادات.

التعليم "المجاني" له ثمن أيضًا

في الوقت الذي تبدو فيه كليات التعليم الحكومي، من الناحية النظرية، الملاذ الأخير للأسر غير القادرة على تحمل تكاليف التعليم الخاص، يكشف واقع هذا التعليم عن أعباء موازية غير مباشرة لا تقل ثقلًا. فمنظومة الدروس الخصوصية والمراكز التعليمية باتت، في غياب جودة كافية داخل الفصول الحكومية المزدحمة، بديلًا شبه إلزامي لضمان تحصيل الطالب، وهو ما يحوّل مبدأ "مجانية التعليم" إلى شعار نظري تتحمل الأسرة عمليًا كلفته الفعلية عبر قنوات موازية، من أجور المدرسين الخصوصيين إلى أسعار الكتب الخارجية والمذكرات، وصولًا إلى تكاليف المواصلات المدرسية التي شهدت هي الأخرى ارتفاعات متتالية مع تصاعد أسعار الوقود.

ويضع هذا الواقع الأسرة محدودة الدخل أمام معضلة مركبة: فالتعليم الحكومي "المجاني" يتطلب إنفاقًا موازيًا قد يوازي أو يتجاوز مصروفات بعض المدارس الخاصة متوسطة التكلفة، بينما يظل التعليم الخاص جيد المستوى بعيدًا عن متناول اليد من حيث المصروفات المباشرة. وتزداد هذه المعضلة حدة في ظل معدل تضخم سنوي بلغ 13% خلال يوليو 2026، وارتفاع خاص في بند التعليم بنسبة تجاوزت 20% على أساس سنوي في المدن، وهو ما يجعل تكلفة التعليم بجميع أشكاله، الحكومي منه والخاص، تنمو بمعدل يفوق قدرة الدخل المتوسط على مجاراته.

أزمة اجتماعية تتجاوز حدود المدرسة

تتجاوز تداعيات هذا التصاعد في مصروفات التعليم حدود الأرقام لتلامس بنية اجتماعية أعمق. فمع تفاوت المصروفات بهذا الشكل الحاد بين مدرسة وأخرى، وجامعة وأخرى، تتشكل تدريجيًا طبقية تعليمية موازية للطبقية الاقتصادية، حيث يحدد دخل الأسرة، لا قدرات الطالب وحدها، نوعية التعليم الذي سيحصل عليه، وبالتبعية فرصه المستقبلية في سوق العمل. ويضطر كثير من الأسر إلى قرارات صعبة، من تحويل الأبناء من مدارس دولية إلى مدارس أقل تكلفة، إلى التنازل عن رغبة الالتحاق بكلية معينة رغم توافر المجموع الدراسي المطلوب، لمجرد العجز عن تغطية مصروفاتها.

وبين حكومة تعلن باستمرار عن خطط لتطوير التعليم الحكومي وتوسيع منظومة المدارس الرسمية للغات كبديل أقل تكلفة، وواقع سوقي يشهد ارتفاعات متتالية في كل مستويات التعليم الخاص والأهلي دون سقف واضح يحمي الأسرة من هذا التصاعد، يبقى السؤال مطروحًا بقوة: هل ما زال التعليم في مصر حقًا للجميع، أم أنه يتحول تدريجيًا إلى امتياز تحدده القدرة المالية قبل أي معيار آخر؟ فحتى تُحسم هذه المعادلة، تظل الأسرة المصرية، عامًا بعد عام، هي من يدفع الثمن الأكبر في معركة موازنة الحلم بالتعليم مع حدود الدخل المتاح.