الصكوك الضريبية.. أكد الدكتور محمد شفيق، الخبير الاقتصادي، أن موافقة الرئيس عبد الفتاح السيسي على مقترح إصدار «الصكوك الضريبية» تمثل خطوة مهمة في إطار البحث عن أدوات جديدة لخفض تكلفة التمويل وتحسين إدارة السيولة العامة، مشيرًا إلى أن نجاح هذه الأداة سيتوقف بصورة أساسية على آلية تصميمها وتكلفتها وكيفية استخدام حصيلتها.
الخبير الاقتصادي: الصكوك الضريبية ليست مجرد أداة جديدة ولكن محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والممول
وقال شفيق إن «الصكوك الضريبية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد أداة ضريبية جديدة، وإنما باعتبارها محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والممول، من خلال ربط الالتزامات الضريبية المستقبلية بأداة مالية توفر للدولة سيولة حالية، وفي الوقت نفسه تمنح الممول عائدًا يمكن استخدامه في تسوية التزاماته الضريبية مستقبلًا».
وأوضح أن الفكرة، وفقًا للتفاصيل المعلنة، تقوم على إتاحة الاشتراك في هذه الصكوك والحصول على عائد يمكن استخدامه لاحقًا في سداد الالتزامات الضريبية، وهو ما يخلق آلية تختلف عن الاقتراض الحكومي التقليدي، الذي تتحمل فيه الدولة بصورة مباشرة تكلفة الفوائد وسداد أصل الدين وفقًا لشروط الإصدار.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن أهمية الأداة تأتي في ظل التحدي المرتبط بارتفاع تكلفة خدمة الدين، مؤكدًا أن «أي أداة تستطيع خفض تكلفة التمويل أو إطالة آجال الالتزامات أو تخفيف الضغط على السيولة الحكومية يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة للاقتصاد المصري».
وأضاف أن الموافقة على الصكوك الضريبية جاءت ضمن توجه أوسع لإعادة هيكلة العلاقة الضريبية، خاصة مع توجيه الرئيس بإعداد الحزمة الثالثة من التيسيرات الضريبية، لافتًا إلى أن تسوية أكثر من 400 ألف ملف ضريبي وتحقيق زيادة في الإيرادات بنحو 78 مليار جنيه نتيجة الإجراءات السابقة يمثلان مؤشرًا مهمًا على إمكانية زيادة الحصيلة من خلال تحسين الامتثال والتسوية وتوسيع قاعدة التحصيل، بدلًا من الاعتماد فقط على زيادة معدلات الضرائب.
وقال شفيق: «زيادة الإيرادات الضريبية لا يجب أن تأتي بالضرورة من رفع معدل الضريبة، وإنما يمكن تحقيقها من خلال توسيع القاعدة الضريبية، وتقليل الاقتصاد غير الرسمي، وتحسين التحصيل، وتسوية النزاعات، وزيادة الامتثال».
وفيما يتعلق بتكلفة التمويل، أوضح أن الصكوك الضريبية يمكن أن تحقق وفورات مهمة إذا كانت تكلفتها أقل من تكلفة أدوات الدين التقليدية، مشيرًا إلى أنه «لو افترضنا، لأغراض التحليل فقط، أن الدولة حصلت على 100 مليار جنيه من خلال الأداة، وكانت تكلفة التمويل التقليدي 20%، فإن التكلفة السنوية ستكون 20 مليار جنيه، بينما إذا انخفضت التكلفة الفعلية إلى 15% مثلًا، فإن التكلفة ستصبح 15 مليار جنيه، أي وفر نظري يبلغ 5 مليارات جنيه سنويًا».
وشدد على أن هذا المثال «ليس رقمًا معلنًا للإصدار، وإنما لتوضيح أهمية فارق التكلفة»، مؤكدًا أن الحكم الحقيقي على الأداة يجب أن يعتمد على التكلفة المالية الكاملة، بما في ذلك العائد والخصومات والمزايا الضريبية وأثرها على الموازنة.
وأكد شفيق أن «المشكلة المصرية ليست فقط في حجم الدين، وإنما في تكلفة خدمة هذا الدين»، موضحًا أن خفض تكلفة الاقتراض يمكن أن يوفر مساحة مالية تستطيع الحكومة توجيهها إلى التعليم والصحة والبنية الأساسية والحماية الاجتماعية والاستثمار والمشروعات الإنتاجية.
وأشار إلى أن للصكوك الضريبية جانبًا آخر يتعلق بتحفيز الامتثال الطوعي، قائلًا إن «شعور الممول بأن المنظومة الضريبية لا تقوم فقط على الجباية، وإنما توفر له أدوات مالية لإدارة التزاماته المستقبلية، قد يزيد من الحافز على الدخول في المنظومة الرسمية والامتثال الطوعي».
وفي المقابل، حذر الخبير الاقتصادي من التعامل مع الصكوك باعتبارها وسيلة لخفض أصل الدين تلقائيًا، موضحًا أن «الحصول على تمويل جديد مقابل التزامات مستقبلية لا يعني أن الدين اختفى، وإنما النتيجة تعتمد على كيفية استخدام الأموال».
وأضاف: «إذا تم توجيه حصيلة الصكوك إلى استثمارات ومشروعات إنتاجية ترفع النمو والإيرادات، فقد تكون الأداة إيجابية للغاية. أما إذا استخدمت لتمويل العجز والمصروفات المتكررة وإعادة تمويل ديون قديمة، فقد تتحول إلى طريقة جديدة لإدارة المشكلة بدلًا من حلها».
وحول المخاطر على المدى الطويل، قال شفيق إن الخطر الأكبر يتمثل في «تحويل جزء من الإيرادات المستقبلية إلى تمويل حالي بصورة متكررة»، موضحًا أن الحصول على سيولة اليوم مقابل مزايا أو عوائد يتم استخدامها في تسوية ضرائب مستقبلية يعني أن جزءًا من التدفقات النقدية المستقبلية أصبح مرتبطًا بالتزامات تم إنشاؤها اليوم.
وتابع: «هذه الآلية ليست سلبية في حد ذاتها، فالشركات تستخدم أدوات مشابهة لإدارة التدفقات النقدية، لكن الخطر يظهر عندما يتم استخدامها لتمويل نفقات لا تحقق عائدًا اقتصاديًا».
وأكد أن الصكوك الضريبية «ليست تضخمية بطبيعتها»، موضحًا أن تأثيرها على التضخم سيتوقف على طريقة استخدامها، فإذا وفرت تمويلًا حقيقيًا من القطاع الخاص دون خلق نقود جديدة بصورة تضخمية، فقد يكون أثرها محدودًا، بينما قد تظهر ضغوط تضخمية إذا أدت إلى زيادة السيولة وتمويل إنفاق حكومي واسع دون زيادة موازية في الإنتاج.
وفيما يتعلق بسوق الصرف، أوضح شفيق أن تأثير الصكوك على الدولار سيكون غير مباشر، مشيرًا إلى أن نجاحها في تقليل احتياجات الدولة من التمويل الخارجي والعملة الأجنبية قد يكون إيجابيًا، «لكنها لا تستطيع بمفردها حل مشكلة العملة الأجنبية، لأن استقرار الجنيه يحتاج إلى مصادر مستدامة للنقد الأجنبي، مثل زيادة الصادرات والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج والاستثمار الأجنبي المباشر وإيرادات قناة السويس وزيادة الإنتاج المحلي».
وشدد على أن انخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي يعد مؤشرًا إيجابيًا، لكنه لا يكفي وحده للحكم على الاستدامة المالية، موضحًا أن انخفاض النسبة قد ينتج عن خفض الدين أو نمو الناتج المحلي أو ارتفاع الأسعار الاسمية أو مزيج من هذه العوامل.
واختتم الدكتور محمد شفيق تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح تجربة الصكوك الضريبية سيتوقف على مراقبة خمسة مؤشرات رئيسية، هي: «حجم الإصدارات، والتكلفة الحقيقية للأداة مقارنة بأذون وسندات الخزانة، وكيفية استخدام حصيلة الإصدار، وحجم الالتزامات الضريبية المؤجلة، ومعدل النمو الاقتصادي».
وقال: «الصكوك الضريبية يمكن أن تكون أداة مبتكرة لخفض تكلفة التمويل وتحسين إدارة السيولة وزيادة الامتثال الضريبي، لكنها ليست حلًا سحريًا لمشكلة الدين أو عجز الموازنة. إذا استخدمت لتمويل الاستثمار المنتج وخفض خدمة الدين، فقد تساعد على تحسين الاستدامة المالية، أما إذا تحولت إلى وسيلة دائمة لتمويل العجز والمصروفات الجارية، فقد تؤجل فاتورة الدين بدلًا من حلها».
وأضاف: «السؤال الحقيقي ليس هل الصكوك الضريبية جيدة أم سيئة، وإنما كيف ستُصمم، وكم ستكلف الدولة، وأين ستذهب حصيلتها، وكم ستكلف الموازنة في المستقبل؟ والإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت الأداة ستفتح بالفعل بابًا جديدًا لتمويل الدولة أم ستؤجل جزءًا من فاتورة الدين إلى المستقبل».
للمزيد اضغط هنـــــــــــــــــــــــــا
