تقع باكستان تحت وطأة ملفات ضاغطة، تجعلها تتمسك بالوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، التي دخلت شهرها السادس لكن دون التوصل إلى اتفاق قابل للتطبيق على أرض الواقع.
يأتي ذلك، بعد الوصول إلى "مذكرة تفاهم" لم تصمد سوى أيام قليلة، وتجدد الحرب ووقف إطلاق النار مرات عدة.
وحدد مراقبون عدة أسباب تدفع إسلام آباد إلى التمسك بمسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، في مقدمتها البحث عن دور إقليمي في ظل الصراع "المبطن" مع الهند، والعمل على رفع شبهات "دعم الإرهاب" التي أحاطت بها، ورسختها نيودلهي في صورة إسلام آباد على الساحة الدولية.
وتجد إسلام آباد أيضًا في الوساطة، وفق مراقبين، وسيلة لمنع تهديد أمنها الداخلي في حال سقوط النظام الإيراني، وفي الوقت ذاته مواجهة طموحات البلوش في إيران بإقامة دولة مستقلة تمتد أيضًا إلى أجزاء من باكستان.
وتكرر باكستان تأكيد تمسكها بالوساطة بين واشنطن وطهران، حيث وظهر ذلك مؤخرًا على لسان نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، الذي أكد استمرار جهود بلاده بين الولايات المتحدة وإيران.
وقال محمد إسحاق دار، إن ملف الوساطة لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لم يُغلق، وإنه يمكن تمديد فترة هدنة الستين يومًا المنصوص عليها في مذكرة التفاهم.
ويقول الباحث في مركز ستاندرد للدراسات، الدكتور فرهاد دزه يي: إن التمسك الباكستاني بإجراء الوساطة بين واشنطن وطهران يقوم على عدة اعتبارات، من بينها أن حدودها مع إيران تمتد لنحو 900 كيلومتر، وأنها تخشى، في حال انهيار النظام الإيراني، ارتداد ذلك على بعض الأقليات المؤثرة فيها.
وأوضح المختص في الشأن الإيراني : أن إسلام آباد تنظر بقلق إلى ما قد ينعكس عليها في حال تأثر النظام الإيراني، ولا سيما من جانب قومية البلوش الموجودة في إيران، والتي يقف وراءها "جيش العدل"، ومساعيها إلى إقامة دولة مستقلة تمتد إلى مناطق في باكستان.
وبجانب خوف باكستان من انهيار النظام الإيراني وتأثير ذلك في أمنها واقتصادها الهش والمتعثر أساسًا، فإنها تحقق، عبر الوساطة، وفق دزه يي، بعض أوجه الاستفادة والدعم من دول في منطقة الشرق الأوسط، من خلال تقديم نفسها وسيطًا حاضرًا يمتلك خطوط اتصال قوية مع واشنطن.
والأهم من ذلك، على حد قول دزه يي، أن باكستان تبحث، من خلال الوساطة، عن دور إقليمي، دفعها إلى توقيع اتفاق تحالف ثلاثي مؤخرًا، وتقديم نفسها بوصفها صانعة للسلام، إلا أن ذلك اصطدم بعدم قدرتها على القيام بجهود تفاوضية فنية تفضي إلى حل متماسك أو تضمن صمود الهدنة.
ويرى دزه يي، أن باكستان تسعى بقوة أيضًا، من خلال الوساطة، إلى تكوين نقاط نفوذ إقليمية، لكن فشل مذكرة التفاهم وعدم صمودها أوضحا أنها لا تمتلك الأدوات المطلوبة، ولم تستخدم مسارات دبلوماسية حاسمة لتحقيق تسوية، وهو ما فتح الباب أمام وساطات أخرى مؤثرة على دورها.
وكانت الوساطة الباكستانية قد انطلقت في مارس الماضي بين الطرفين، وجاءت مفاوضات إسلام آباد العلنية والمباشرة في منتصف أبريل، فيما جرت صياغة الاتفاق في يونيو 2026، لكن التسوية انهارت بعد انتهاء صلاحية مذكرة التفاهم من جانب البلدين.
و يرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط ووسط آسيا، الدكتور وائل عواد ، أن هناك عوامل عدة تقف وراء إصرار باكستان على لعب دور الوسيط، في مقدمتها محاولة إعادة تموضعها إقليميًا بوصفها دولة تؤخذ مواقفها ومساعيها في الاعتبار، والعمل على بناء نفوذ لها في هذا الإطار.
وأضاف عواد ، أن باكستان حاولت من خلال المشاركة في هذه الوساطة، أن يكون لها دور دولي يواجه العزلة التي فرضتها عليها الهند، على خلفية شبهات متعلقة بدعم الإرهاب، وهي إحدى القضايا التي عملت نيودلهي، على مدى طويل، على ترسيخ صورة إسلام آباد بوصفها دولة تؤوي عناصر متطرفة وخطرة.
وتتمسك باكستان بأداء دور الوساطة في ظل مخاوفها الكبيرة من انتقال المواجهة الإيرانية الأمريكية إلى حدودها وتهديد أمنها الداخلي، فضلًا عن ارتدادات ملفات حيوية، من بينها الطاقة، مما يزيد الضغط عليها، لا سيما أنها تعاني أساسًا تحديات أمنية واقتصادية، وهو ما جعلها تراهن على أن يكون لها دور أساسي في المسار التفاوضي.
واتجهت باكستان أيضًا إلى هذا الدور في ظل سعيها إلى إعادة تحقيق توازن نسبي في مواجهة صعود الهند من ناحية، وتعميق علاقاتها مع الدول العربية من خلال إقامة تحالفات من ناحية أخرى.
وبيّن عواد أن عدم قدرة باكستان على تحقيق النتائج المرجوة طوال أشهر التفاوض يعود أيضًا إلى أن الولايات المتحدة هي صاحبة القرار في هذه المسألة، وعندما ترفض واشنطن تقديم أي تنازلات لطهران، يصبح من الصعب على الوسيط أن يلعب دورًا في إقناع الجانب الأمريكي. ومن جهة أخرى، فإن تمسك إيران بورقة مضيق هرمز جعل دور الوساطة الباكستانية محدودًا.
للمذيد الإظلام التام في السودان .. كيف يُجابه السودانيون انقطاع الكهرباء؟
