كهرباء ومياه مقطوعة.. تتكرر مشاهد العتمة المفاجئة وصنابير المياه الجافة في أحياء متفرقة من محافظات مصر بوتيرة تكاد تكون شبه يومية، لتتحول من أزمة عابرة إلى واقع يومي يفرض نفسه على حياة الأسر المصرية. فبين بلاغ يُسجَّل على خط ساخن، وانتظار طويل لعودة الخدمة، تتشكل معادلة معقدة تطرح سؤالًا جوهريًا: من يتحمل تبعات هذه الأعطال؟ هل هي مسؤولية شركات المرافق التي تُرجعها إلى أعمال صيانة وتطوير، أم أن المواطن هو الطرف الأضعف الذي يدفع الثمن مضاعفًا، مرة في صورة أجهزة كهربائية تالفة، وأخرى في صورة وقت وجهد يُهدران بين البلاغ والاستجابة؟
الكهرباء.. بين الحمل الزائد وأعطال الشبكة
شهدت الأسابيع الأخيرة موجة من الانقطاعات المفاجئة للتيار الكهربائي طالت مناطق متفرقة، من الغردقة بالبحر الأحمر إلى أحياء فيصل بالجيزة والسيدة عائشة بالقاهرة، إضافة إلى مناطق أخرى في المرج وإمبابة وحلوان بالقاهرة الكبرى، والعجمي بالإسكندرية، وكفر صقر بالشرقية. ووفق تصريحات مسؤولين بالشركة القابضة لكهرباء مصر، فإن هذه الانقطاعات ترجع إلى أعطال فنية مفاجئة تصيب مكونات شبكات التوزيع نتيجة الأحمال المرتفعة والزيادة الكبيرة في درجات الحرارة، وليست نتيجة خطة مقصودة لتخفيف الأحمال.
غير أن هذا التفسير لا يقنع كثيراً من المواطنين الذين يرون في تكرار الانقطاع بلا إنذار مسبق، وبشكل شبه يومي في بعض المناطق، مؤشراً على قصور في جاهزية الشبكة لمواجهة ذروة الاستهلاك الصيفي، لا سيما مع تسجيل الحمل الأقصى للشبكة الكهربائية مستويات قياسية هذا الصيف. وقد أدت بعض هذه الانقطاعات المتكررة، بحسب شكاوى سكان في محافظة الغربية بمدينتي المحلة الكبرى وكفر الزيات، إلى تلف عدد من الأجهزة الكهربائية المنزلية، وسط مطالبات بضرورة تنظيم مواعيد الصيانة والإعلان عنها مسبقاً بدلاً من المفاجأة.
في المقابل، تؤكد وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة أنها نفذت خطة استباقية قبل دخول فصل الصيف شملت برامج صيانة مكثفة لمحطات التوليد وخطوط النقل، وتحديث مكونات الشبكة القديمة، واستبدال الكابلات والمحولات المتهالكة، إلى جانب التوسع في أنظمة التحكم الذكية لمراقبة الأحمال لحظياً. إلا أن استمرار الأعطال رغم هذه الإجراءات يكشف فجوة بين الخطط المعلنة وواقع الشبكة على الأرض، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية والبنية التحتية الأقدم.
المياه.. قطوعات مبرمجة وأخرى طارئة
لا يختلف المشهد كثيراً في قطاع مياه الشرب، حيث تتوزع أسباب الانقطاع بين أعمال صيانة مبرمجة تعلنها الشركات مسبقاً، وأعطال طارئة تفاجئ السكان دون سابق إنذار. فقد شهدت محافظة الجيزة خلال الأسابيع الماضية سلسلة من قرارات قطع المياه عن مناطق الهرم وفيصل والمتربة ببشتيل، بعضها لمدد تجاوزت ستة عشر ساعة متواصلة، بررتها الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي بأعمال تحويل مسارات خطوط المياه المتعارضة مع مشروعات قومية كبرى، أبرزها الخط الرابع لمترو الأنفاق. كما شهدت محطة مياه التبين بالقاهرة أعمال صيانة عاجلة استلزمت وقف ضخ المياه عن عدة مناطق في حلوان ومدينة الشمس لساعات محدودة.
إلى جانب القطوعات المبرمجة، تبرز حوادث الأعطال المفاجئة كمصدر رئيسي لمعاناة السكان، كما حدث في تسريب مفاجئ بخط مياه رئيسي بقطر ألف مليمتر في شارع ربيع الجيزي بالجيزة، وهو ما استدعى تحركاً عاجلاً من فرق الطوارئ ودفع سيارات مياه نقية للمناطق المتأثرة. وتكشف هذه الحوادث المتكررة عن هشاشة في بعض خطوط المياه الرئيسية، التي تتقاطع تنفيذياً مع مشروعات البنية التحتية الكبرى الجارية في المحافظات، ما يجعل المواطن رهين توقيت لا يملك فيه قراراً ولا اطلاعاً مسبقاً كافياً في كثير من الأحيان.
قنوات الإبلاغ.. من الخط الساخن إلى المنصة الموحدة
تعتمد منظومة الإبلاغ الحالية في مصر على عدد من القنوات الرسمية، أبرزها الخط الساخن رقم 125 الخاص بشكاوى المياه والصرف الصحي، ورقم 121 لشكاوى انقطاع الكهرباء المتاح على مدار الساعة، إضافة إلى تطبيقات إلكترونية وصفحات رسمية على مواقع التواصل الاجتماعي تتيح للمواطن تسجيل البلاغ ومتابعة حالته. وتنصح الشركات المواطن بالاحتفاظ برقم الشكوى بعد تسجيلها لاستخدامه في المتابعة ومعرفة آخر تطورات التعامل مع المشكلة.
وعلى مستوى الأداء، أظهر تقرير حكومي حديث أن قطاع الكهرباء استجاب لنحو ثمانية وعشرين ألف شكوى خلال النصف الأول من عام 2026 عبر منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة التابعة لمجلس الوزراء، شملت طيفاً واسعاً من البلاغات بين سرقة التيار وشحن العدادات مسبقة الدفع وطلبات التوصيل وزيادة القدرات، مع متابعة زمن التعامل مع كل شكوى منذ تسجيلها وحتى حلها وفق معايير محددة للجودة والكفاءة. غير أن هذا الرقم، رغم دلالته على وجود آلية استجابة فعلية، لا يقدم صورة كاملة عن جودة الحل النهائي من منظور المواطن المتضرر، ولا عن الفارق الزمني الفعلي بين لحظة الانقطاع ولحظة عودة الخدمة في المناطق الأكثر تضرراً.
من يتحمل التبعات؟ الفجوة بين البلاغ والتعويض
يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً هو سؤال المسؤولية عن الأضرار المادية الناجمة عن الانقطاعات، وتحديداً تلف الأجهزة الكهربائية المنزلية جراء تذبذب التيار أو انقطاعه المتكرر. فبموجب مبادئ المسؤولية المدنية التي تحكم العلاقة بين شركات المرافق والمشتركين في القانون المصري، تقوم مسؤولية مزود الخدمة حين يُخل بالتزاماته القانونية أو التعاقدية تجاه المشترك، بما يستوجب التعويض عن الضرر الناشئ عن هذا الإخلال، سواء اعتُبرت هذه المسؤولية عقدية تستند إلى وجود الضرر، أو تقصيرية تستند إلى ثبوت الخطأ. إلا أن الفجوة الحقيقية لا تكمن في غياب الإطار القانوني للمساءلة، بقدر ما تكمن في غياب آلية إجرائية واضحة ومعلنة للمواطن يمكنه من خلالها المطالبة بالتعويض دون اللجوء إلى القضاء، على غرار نماذج معتمدة في دول أخرى تحدد مددًا زمنية قصوى لانقطاع الخدمة يستحق بعدها المشترك تعويضاً تلقائياً، وتشترط فقط تقديم ما يثبت قيمة الضرر كفاتورة شراء أو تقرير صيانة فني.
في غياب مثل هذه الآلية المعلنة والموحدة، يجد كثير من المتضررين أنفسهم أمام خيارين: إما التوجه إلى مكتب خدمة المشتركين لتقديم طلب تعويض فردي قد يستغرق وقتاً طويلاً دون ضمان لنتيجته، أو اللجوء إلى القضاء المدني لإثبات الضرر وعلاقته السببية بالانقطاع، وهو مسار مكلف وطويل لا يناسب غالبية الأسر المتضررة من أعطال محدودة القيمة نسبياً وإن تكررت. وتزداد الصعوبة الإجرائية مع الأجهزة القديمة التي يصعب إثبات قيمتها الأصلية، أو عند تعذر الحصول على تقرير فني يربط العطب مباشرة بتذبذب التيار لا بعمر الجهاز نفسه.
تكشف الأزمة المتكررة لانقطاع المياه والكهرباء عن معادلة غير متوازنة بين طرفين: شركات مرافق تمتلك مبررات فنية معلنة لأعطالها، ومنظومة إبلاغ رسمية تسجل عشرات آلاف الشكاوى وتستجيب لها، في مقابل مواطن يتحمل عملياً الكلفة المباشرة لهذه الأعطال دون مسار واضح ومختصر لاسترداد حقه. وبين خطط الصيانة المعلنة وواقع الشبكات المتهالكة في بعض المناطق، تبقى الحاجة قائمة إلى إطار تنظيمي معلن يحدد بوضوح معايير التعويض ومددها الزمنية، بما يحول العلاقة بين المواطن ومقدم الخدمة من علاقة تحمّل صامت إلى علاقة قائمة على حقوق وواجبات محددة لكلا الطرفين.
