منذ أن أقر المشرع المصري نسبة الـ5% كحد أدنى لتوظيف الأشخاص ذوي الإعاقة في كل منشأة حكومية أو خاصة تضم عشرين عاملاً فأكثر، تحول هذا الرقم إلى ما يشبه الاختبار العملي لجدية الدولة في تطبيق حقوق هذه الفئة. فبين نص قانوني واضح وعقوبات رادعة على الورق، وواقع سوق عمل ما زال يعاني من فجوات تنفيذية، يبقى السؤال قائماً: هل تحولت هذه النسبة إلى حق مُمارَس فعلياً، أم ظلت رقماً في الجريدة الرسمية لا يجد طريقه إلى كشوف الأجور؟
النص القانوني.. إلزام واضح وعقوبات محددة
يُلزم قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018، في المادة 22 منه، كافة الجهات الحكومية وغير الحكومية، وكل صاحب عمل يستخدم عشرين عاملاً فأكثر سواء في مكان واحد أو أماكن متفرقة، بتعيين نسبة لا تقل عن 5% من إجمالي العاملين من الأشخاص ذوي الإعاقة، على أن يتم ترشيحهم من الوزارة المعنية بشؤون العمل والجهات الإدارية التابعة لها، استناداً إلى السجل المعتمد للأشخاص ذوي الإعاقة الراغبين في العمل. ويشترط القانون على صاحب العمل إخطار الجهة المختصة بكل حالة تعيين خلال الشهر الأول من تاريخ مباشرة العمل.
ولم يترك المشرع باب المخالفة مفتوحاً دون رادع، إذ نص القانون على معاقبة كل منشأة تمتنع عن تطبيق هذه النسبة بالحبس مدة لا تجاوز سنة، وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تجاوز ثلاثين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، مع تعدد الغرامة بتعدد حالات الامتناع، بحيث تُحسب كل حالة رفض تعيين شخص ذي إعاقة كمخالفة مستقلة. كما تقع المسؤولية الجنائية مباشرة على المدير الفعلي للمنشأة أو المسؤول عن قرار التعيين، وليس على الشخصية الاعتبارية للمنشأة فحسب.
أرقام برلمانية تكشف الفجوة
رغم وضوح النص، تتوالى التساؤلات داخل مجلس النواب حول مدى تطبيقه على أرض الواقع. ففي سؤال برلماني حديث، طرحت النائبة سناء السعيد، عضو لجنة التعليم والبحث العلمي، تساؤلاً مباشراً إلى الحكومة عن نسب التنفيذ الفعلي لحصة الـ5% في مختلف الجهات والمؤسسات، وأسباب عدم تطبيقها بالصورة الكاملة، مؤكدة أن ما يواجهه الأشخاص ذوو الإعاقة على أرض الواقع يكشف عن فجوة كبيرة بين ما نصت عليه القوانين وما يُنفَّذ فعلياً. وشددت السعيد على أن هذه النسبة، رغم كونها حقاً دستورياً وقانونياً، لم تتحول بعد إلى واقع ملموس في التعيينات، مطالبة بتوضيح حكومي رسمي لما تم تنفيذه من مواد القانون، والإجراءات المتخذة لضمان تطبيقها.
ولم يقتصر التساؤل البرلماني على ملف التوظيف وحده، بل امتد إلى منظومة الحماية الاجتماعية المصاحبة له، إذ أثارت النائبة قضية الحالات التي جرى سحب بعض أوجه الدعم المقدمة لها، وتساءلت عن مدى كفاية بطاقة الخدمات المتكاملة فى تلبية احتياجات فئات تحتاج إلى دعم مادي ورعاية مستمرة تتجاوز مجرد تخفيضات في تذاكر المواصلات. وترى النائبة أن توفير فرصة عمل حقيقية للقادرين على العمل يمثل الحل الأكثر استدامة، باعتباره يوفر دخلاً ثابتاً ومستقلاً بدلاً من الاعتماد الكامل على المساعدات المحدودة.
القضاء يضع شروطاً إضافية للتطبيق
في مؤشر آخر على تعقيد ملف التوظيف، حسمت محكمة النقض مؤخراً جدلاً قانونياً حول شروط الاستحقاق ضمن نسبة الـ5%، مؤكدة أن مجرد حصول الشخص ذي الإعاقة على بطاقة الخدمات المتكاملة أو الترشيح من مكتب العمل لا يكفي وحده لإلزام جهة العمل بالتعيين، ما لم يستوفِ الشخص شرطاً جوهرياً آخر نصت عليه المادة 19 من القانون، وهو الحصول على شهادة تأهيل معتمدة من الوزارة المختصة بالتضامن الاجتماعي، تتضمن تحديد المهنة التي تم تأهيله لها، ودرجة تأهيله، ونوع ودرجة إعاقته، وبيان لياقته الصحية لممارسة تلك المهنة.
وجاء هذا الحكم في قضية طُعن عليها أمام الدائرة العمالية بمحكمة النقض، بعد أن كانت أحكام سابقة قد ألزمت إحدى شركات إنتاج الكهرباء بتعيين شخص ذي إعاقة حاصل على بطاقة الخدمات المتكاملة وترشيح من مكتب توظيف، لكنه لم يستخرج شهادة التأهيل المطلوبة. وينتهي هذا الحكم إلى نتيجة عملية مهمة: أن الطريق إلى الاستفادة الفعلية من نسبة الـ5% لا يمر فقط عبر التسجيل في سجلات الوزارة، بل يستلزم استكمال إجراء تأهيلي إضافي قد لا يكون متاحاً أو معروفاً لكثير من الباحثين عن عمل من ذوي الإعاقة، ما يضيف عائقاً بيروقراطياً إلى جانب العائق المتعلق بإرادة صاحب العمل نفسه.
جهود وزارية معلنة.. وتفتيش لم يكتمل أثره
على الجانب الحكومي، تعلن وزارة العمل باستمرار عن جهود لتفعيل النسبة القانونية، من بينها تضمين نشرة التوظيف نصف الشهرية التي تصدرها الوزارة عدداً من الوظائف المخصصة لذوي الهمم بالتنسيق مع شركات القطاع الخاص، إلى جانب متابعة إجراءات التعيين والتأكد من جدية الفرص المعلنة. كما جرى في وقت سابق تشكيل لجنة مركزية لمتابعة توجيهات الوزارة لمديريات القوى العاملة في المحافظات، بهدف تنفيذ خطة تفتيش على المنشآت للتحقق من مدى التزامها بتطبيق النسبة، وحصر أعداد المنشآت غير المستوفية لها في كل محافظة.
غير أن هذه الجهود، على أهميتها، لا تزال تصطدم بغياب بيانات رسمية شاملة ومحدثة تكشف بوضوح نسبة الالتزام الفعلي على مستوى الجمهورية، وعدد المنشآت التي طُبقت بحقها العقوبات المنصوص عليها قانوناً عند المخالفة. فبين إعلانات دورية عن فرص عمل مخصصة، وتساؤلات برلمانية متكررة عن أسباب عدم التطبيق الكامل، تبقى الصورة الشاملة لحال هذا الملف غائبة عن المواطن الباحث عن فرصة عمل تليق بقدراته وتؤهيله.
يكشف ملف توظيف ذوي الهمم في مصر عن مفارقة تتكرر في أكثر من ملف حقوقي؛ فالنص القانوني قائم وواضح، والعقوبات محددة ورادعة نظرياً، لكن الفجوة تكمن في آليات التنفيذ والمتابعة والمساءلة الفعلية. فبين شرط قضائي يضيف عبئاً إجرائياً جديداً أمام الباحثين عن عمل، وتساؤلات برلمانية تطالب الحكومة بالشفافية حول نسب التطبيق الحقيقية، وجهود وزارية معلنة لم تُترجم بعد إلى أرقام قابلة للتحقق، يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل ستتحول نسبة الـ5% من التزام قانوني مُعلن إلى واقع يومي يضمن لذوي الهمم دخلاً ثابتاً واستقلالاً اقتصادياً حقيقياً، أم ستظل رقماً تتكرر المطالبة بتفعيله دون أن يجد طريقه الكامل إلى سوق العمل؟.
