في الوقت الذي تتركز فيه الموارد العسكرية والأمنية الدولية في الشرق الأوسط بسبب الحرب الإيرانية ، والتوترات المتصاعدة حول مضيق هرمز والبحر الأحمر، بدأ تهديد قديمً في الظهور من جديد في منطقة أخرى من طرق التجارة العالمية وهي "القرصنة الصومالية".

فقد شهدت المياه قبالة سواحل الصومال عودة ملحوظة لنشاط القراصنة خلال الأشهر الأخيرة، في وقت تواجه فيه شركات الشحن بالفعل سلسلة من المخاطر المتزايدة، من الهجمات على السفن إلى اضطرابات الملاحة وارتفاع أسعار الوقود والتأمين، بحسب "بولتيكو".

وفي أحدث مؤشر على عودة التهديد، استولى قراصنة في وقت سابق من هذا الأسبوع على سفينة شحن قبالة السواحل الصومالية، في خامس هجوم من نوعه على الأقل منذ أبريل، وفق بيانات شركة الاستخبارات البحرية "ويندوارد".

وترى الشركة أن أحد أسباب عودة النشاط قد يكون مرتبطًا بتحويل دول عدة جزءًا من مواردها البحرية إلى الشرق الأوسط، حيث تتركز الجهود على حماية الملاحة والتعامل مع تداعيات الحرب الإيرانية.

لم تقتصر الهجمات الأخيرة على سفن الشحن التقليدية، إذ استولى قراصنة صوماليون منذ أبريل على ثلاث ناقلات نفط على الأقل كانت تحمل منتجات نفطية وأسمدة، وهما من السلع التي شهدت ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار نتيجة اضطرابات حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

وفي يوليو، استولى قراصنة كذلك على سفينة تحمل مواد كيميائية قبالة السواحل اليمنية.

وتحتجز الناقلات التي تعرّضت للهجوم حاليًّا قبالة السواحل الصومالية، فيما يُحتجز عشرات من أفراد أطقمها بالاكراه ، ما يضيف بُعدًا إنسانيًّا وأمنيًّا إلى أزمة الملاحة المتفاقمة في المنطقة.

وقال بريت إريكسون، المدير الإداري لشركة "أوبسيديان ريسك أدفايزرز"، إن عدد السفن التي استولى عليها القراصنة لا يزال محدودًا نسبيًّا، لكن الخطر الجديد يمثل عبئًا إضافيًّا على شركات الشحن التي تواجه بالفعل تهديدات في مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر.

وأوضح أن شركات النقل تواجه في الوقت الراهن مجموعة متزامنة من المخاطر؛ ما يدفعها إلى زيادة إجراءات الحماية وتقليص المخاطر التشغيلية، وهو ما ينعكس في النهاية على الاقتصاد العالمي.

كانت القرصنة الصومالية إحدى أخطر التهديدات التي واجهت التجارة البحرية العالمية خلال الفترة بين عامي 2005 و2011، عندما نفذ القراصنة مئات الهجمات على السفن التجارية.

وتسببت تلك الهجمات في خسائر اقتصادية قدرت بنحو 18 مليار دولار سنويًّا، نتيجة دفع فديات، وارتفاع تكاليف التأمين، وزيادة الإنفاق على الأمن، وتأخير حركة السفن.

لكن تهديد القرصنة تراجع بصورة كبيرة بعد سنوات من العمليات البحرية الدولية، بما في ذلك جهود حلف شمال الأطلسي والقوات البحرية المشتركة، وهي شراكة تضم 47 دولة، من بينها الولايات المتحدة.

ومع تحول جزء كبير من الاهتمام العسكري والبحري الدولي حاليًّا نحو الشرق الأوسط، تبدو بعض المناطق المحيطة بالصومال أكثر عرضة لاستغلال أي فراغ أمني.

وأكّدت "ويندوارد" أن القرصنة الصومالية عادت إلى كونها "تهديدًا عملياتيًّا نشطًا" أمام السفن التجارية في غرب المحيط الهندي وجنوب خليج عدن.

تكمن خطورة عودة القراصنة في هذا الوقت ، أنها اتت في ظل ارتفاع أسعار النفط وشح المعروض العالمي بسبب الاضطرابات المرتبطة بالحرب الإيرانية ومضيق هرمز.

ويجعل ارتفاع قيمة شحنات الطاقة السفن المحملة بالنفط والمنتجات النفطية أهدافًا أكثر جاذبية للقراصنة، الذين يعتمد نموذج عملهم تقليديًّا على اختطاف السفن واحتجاز أفراد أطقمها للمطالبة بفدية مالية.

وقال إريكسون: إن الظروف الحالية قد تجعل القرصنة نشاطًا مربحًا بشكل متزايد، خصوصًا مع انشغال جزء كبير من الموارد الأمنية والعسكرية الدولية بالأزمة في الشرق الأوسط. 

ويرى أن القراصنة يتصرّفون باعتبارهم "انتهازيين"، وبالتالي فإن أي تراجع في مستوى الردع البحري أو ارتفاع في قيمة الشحنات يمكن أن يشجعهم على توسيع عملياتهم.

رغم أن القرصنة الصومالية لم تصل بعد إلى مستوياتها القياسية السابقة، فإن الخطر يكمن في تراكمها مع الأزمات الأخرى التي تضرب التجارة البحرية.

فشركات الشحن تواجه بالفعل ارتفاع تكاليف الوقود، وزيادة أسعار التأمين، وتكاليف الحماية الأمنية، إلى جانب اضطرار بعض السفن إلى تغيير مساراتها لتجنب مناطق النزاع.

وقد يؤدي اتساع نطاق القرصنة إلى تقليل عدد السفن المستعدة للمخاطرة بالعبور في المنطقة، وهو ما يرفع تكلفة نقل البضائع والطاقة ويزيد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.

كما أن أيّ تدهور أمني في خليج عدن وغرب المحيط الهندي قد يضعف أحد المسارات التي يمكن أن تستخدمها التجارة الدولية لتجنب نقاط الاختناق الرئيسية في المنطقة، في وقت أصبحت فيه مضائق هرمز وباب المندب بالفعل من أكثر الممرات البحرية حساسية.

وفي المقابل، تؤكد واشنطن أن قواتها البحرية في المنطقة تتمتع بقدرات كافية لحماية ممرات الشحن الحيوية، بما في ذلك ناقلات النفط، والتعامل مع التهديدات الإقليمية المختلفة.

لكن عودة القرصنة الصومالية تطرح تحديًا إضافيًّا أمام هذه القوات، إذ لم تعد حماية الملاحة تقتصر على مواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة والهجمات المرتبطة بالحرب الإيرانية، بل بات عليها أيضًا التعامل مع تهديد تقليدي قديم يستغل انشغال العالم بأزمة أكبر.

وهكذا، قد تكون إحدى النتائج غير المباشرة للحرب الإيرانية إعادة إحياء خطر كان المجتمع الدولي قد نجح إلى حد كبير في احتوائه.

ومع استمرار اضطرابات الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة وتوزيع الموارد البحرية على أكثر من جبهة، قد تتحوّل القرصنة الصومالية من تهديد محدود إلى عامل جديد يرفع تكلفة التجارة العالمية ويزيد هشاشة طرق الإمداد الدولية. 

للمذيد  «الفوبيا» ام «الصراع الداخلي» .. أسباب جعلت إيران بلا رئيس استخبارات

للمذيد كيف تسوي «إسرائيل» حسابتها مع «تركيا» بعد تدهور العلاقة بين البلدين؟