بدأت الحكومة العراقية في إعادة النظر ببعض مواقفها بشأن ملف حصر السلاح بيد الدولة والمهلة المحددة للفصائل المسلحة لتسليم أسلحتها، في ظل استمرار المباحثات بين الحكومة والفصائل الرافضة حتى الآن لفكرة التسليم الكامل.
وتأتي هذه التحركات وسط ضغوط متباينة بين طهران وواشنطن بشأن مستقبل السلاح خارج مؤسسات الدولة، في وقت تسعى فيه بغداد إلى الوصول إلى صيغة توافقية تمنع التصعيد وتحافظ في الوقت نفسه على هدف تنظيم السلاح وحصره تحت إشراف الدولة.
مباحثات مع الفصائل الرافضة لتسليم السلاح
وكشفت مصادر مطلعة، اليوم الأحد، أن اللجنة التي شكلها الإطار التنسيقي تواصل مباحثاتها مع عدد من الفصائل المسلحة التي لا تزال ترفض تسليم أسلحتها، وعلى رأسها كتائب حزب الله وحركة النجباء.
وأوضحت المصادر أن المفاوضات تواجه صعوبات، خصوصًا فيما يتعلق بإجراء لقاءات مباشرة مع القيادات الرئيسية لهذه الفصائل، الأمر الذي يدفع اللجنة في بعض الأحيان إلى نقل الرسائل وانتظار الرد عليها لساعات أو أيام.
وتعمل اللجنة، التي تضم هادي العامري ونوري المالكي ورئيس الحكومة علي الزيدي، على تقريب وجهات النظر بين الحكومة والفصائل، ومحاولة الوصول إلى صيغة يمكن من خلالها التعامل مع ملف السلاح دون الدخول في مواجهة مباشرة.
مقترح جديد: تنظيم السلاح بدلًا من تسليمه
وأشارت المصادر إلى أن المباحثات تبحث مقترحًا يقضي بعدم اعتبار 30 سبتمبر موعدًا نهائيًا لتسليم السلاح، مع طرح بديل يقوم على تنظيم السلاح بدلًا من تسليمه بصورة فورية.
وبحسب المقترح، يتم حصر أنواع وكميات الأسلحة التي تمتلكها الفصائل، مع تقديم بيانات بشأنها إلى الحكومة، إلى جانب تحديد مقرات الفصائل بشكل رسمي بحيث تكون معلومة للسلطات العراقية.
كما يتضمن المقترح تجميد الفصائل نشاطها لمدة عامين، في خطوة تهدف إلى ضبط وضعها خلال المرحلة الانتقالية، بدلًا من فرض عملية تسليم شاملة وفورية قد تؤدي إلى صدامات سياسية وأمنية.
وتقول المصادر إن هذا الطرح يحظى بتأييد إيراني، في حين لا تزال الولايات المتحدة تدفع باتجاه تسليم فعلي وكامل للسلاح إلى الدولة العراقية.
واشنطن ترفض تولي ليث الخزعلي منصب نائب رئيس الوزراء
وفي تطور آخر مرتبط بالملف، كشفت المصادر أن واشنطن رفضت تولي ليث الخزعلي، شقيق زعيم حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، منصب نائب رئيس الوزراء، رغم انخراط الحركة في ملف تسليم السلاح للدولة.
وأفادت المصادر بأن الولايات المتحدة أبلغت جهات عراقية بأنها تعمل على التدقيق في مدى التزام الفصائل التي أعلنت تسليم أسلحتها، وما إذا كان التسليم قد تم بصورة كاملة بالفعل.
ويعكس الموقف الأمريكي أن واشنطن لا تنظر فقط إلى الإعلانات السياسية الخاصة بتسليم السلاح، وإنما تسعى إلى التحقق من تنفيذ هذه الخطوات على أرض الواقع، ومدى قدرة الحكومة العراقية على فرض سيطرتها على جميع الأسلحة الموجودة خارج المؤسسات الرسمية.
الحكومة تفاوض خمسة فصائل مسلحة
وتأتي هذه التطورات بينما يقود رئيس الحكومة علي الزيدي مفاوضات مع خمسة فصائل مسلحة بشأن تسليم أسلحتها للدولة.
وتضم قائمة الفصائل التي تجري معها المفاوضات حركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وكتائب حزب الله العراقي، وسرايا أولياء الدم، وأصحاب الكهف.
وتسعى الحكومة من خلال هذه المفاوضات إلى الوصول إلى تفاهمات تضمن حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة، مع تجنب أي خطوات قد تؤدي إلى توتر أمني أو سياسي داخل البلاد.
ثلاثة فصائل أعلنت تسليم السلاح
وفي المقابل، كانت ثلاثة من أبرز الفصائل المسلحة في العراق قد أعلنت خلال الفترة الماضية تسليم سلاحها للدولة والانخراط في العمل المدني.
وتشمل هذه الفصائل سرايا السلام بزعامة مقتدى الصدر، وعصائب أهل الحق، وكتائب الإمام علي بزعامة شبل الزيدي.
وتحاول الحكومة البناء على هذه الخطوة لإقناع الفصائل الأخرى بالسير في الاتجاه نفسه، إلا أن طبيعة المفاوضات الحالية تكشف عن وجود اختلافات جوهرية حول مفهوم «حصر السلاح»، وما إذا كان المطلوب هو التسليم الكامل والفوري، أم يمكن الانتقال إلى مرحلة تنظيم السلاح وتجميد النشاط المسلح تمهيدًا لمرحلة لاحقة.
بين طهران وواشنطن.. أي صيغة لملف السلاح؟
ويضع هذا الملف الحكومة العراقية أمام معادلة شديدة التعقيد، في ظل اختلاف الرؤية بين إيران والولايات المتحدة.
ففي الوقت الذي تميل فيه طهران إلى دعم صيغة تنظيم السلاح وتجميد نشاط الفصائل لفترة زمنية، تضغط واشنطن باتجاه تسليم فعلي وكامل للأسلحة إلى الحكومة، بما يضمن عدم وجود ترسانة مستقلة خارج سيطرة الدولة.
ومع استمرار المفاوضات واقتراب موعد 30 سبتمبر، تبدو الحكومة العراقية أمام اختبار صعب يتمثل في تحقيق تقدم ملموس في ملف حصر السلاح، دون أن يتحول الخلاف مع الفصائل الرافضة إلى مواجهة مفتوحة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على توازن حساس بين الضغوط الإقليمية والدولية.
