رقم يبدو للوهلة الأولى مؤشرًا على أزمة متصاعدة في قطاع الاتصالات، لكنه في الوقت ذاته يأتي مصحوبًا بنسبة استجابة تقترب من الكمال. فبين 141 ألف شكوى ونسبة استجابة 97%، يبرز سؤال أكثر جوهرية من الرقم نفسه: هل "الاستجابة" السريعة تعني بالضرورة أن مشكلة المواطن قد حُلّت؟ وماذا يخبرنا هذا الكم الهائل من الشكاوى عن واقع الخدمة الفعلي الذي يعيشه المستخدم يوميًا؟

الرقم في تفاصيله: أين تتركز شكاوى المصريين؟

من إجمالي الشكاوى المُصعّدة خلال الأشهر الستة الأولى من العام، استحوذت خدمات الهاتف المحمول على النصيب الأكبر بنسبة تقترب من 43% من الإجمالي، تلتها شكاوى خدمات الإنترنت الثابت بنسبة تجاوزت 31%، ثم شكاوى الهاتف الثابت بنسبة قاربت الربع، فيما جاءت شكاوى أجهزة الهاتف المحمول في ذيل القائمة بنسبة لا تتجاوز 1%.

هذا التوزيع يكشف أن الأزمة ليست في خدمة بعينها، بل تمتد عبر كل قطاعات الاتصالات تقريبًا، بما يوحي بأن المشكلة قد تكون بنيوية أكثر من كونها عارضة أو مرتبطة بشركة واحدة.

سرعة الرد.. هل تعني حل المشكلة؟

تُظهر البيانات أن متوسط زمن الاستجابة للشكوى لم يتجاوز أقل من يوم واحد بقليل، وهو رقم يبدو للوهلة الأولى إنجازًا يُحسب لمنظومة المتابعة. غير أن مفهوم "الاستجابة" في هذا السياق يظل غامضًا بالنسبة للمستخدم العادي؛ إذ لا يوضح التقرير هل يُقصد بها مجرد التواصل الأول مع الشاكي وإبلاغه بتلقي شكواه، أم الحل الفعلي والنهائي لمشكلته.

الفجوة بين "الرد السريع" و"الحل الجذري" هي ما يفسر، على الأرجح، استمرار تدفق الشكاوى بهذا الحجم رغم ارتفاع نسبة الاستجابة عامًا بعد عام. فالمواطن الذي يتصل لاستفسار عن انقطاع خدمة الإنترنت أو خصم رصيد غير مبرر قد يحصل على رد رسمي سريع، دون أن يعني ذلك بالضرورة عودة الخدمة لطبيعتها أو استرداد كامل حقه.

قنوات الشكوى: هيمنة الاتصال المباشر

اعتمد الغالبية العظمى من المستخدمين على الاتصال المباشر بمركز خدمة الجهاز، بنسبة قاربت 90% من إجمالي الشكاوى، بينما توزعت النسبة الباقية بين الموقع الإلكتروني والتطبيقات الرقمية المخصصة والدردشة الفورية. هذا التفاوت الكبير لصالح القناة التقليدية يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية القنوات الرقمية البديلة التي استحدثها الجهاز، وما إذا كانت لا تزال غير كافية الانتشار أو الثقة لدى شريحة واسعة من المستخدمين.

الأموال المستردة.. مؤشر آخر على حجم التجاوزات

من بين المعالجات التي اتخذها الجهاز، استرداد مبالغ مالية للمستخدمين بعد ثبوت أحقيتهم فيها، وكانت النسبة الأكبر من هذه المبالغ مرتبطة بشكاوى متعلقة برصيد الهاتف المحمول. هذا المعطى وحده يكشف طبقة أخرى من المشكلة: تجاوزات مالية متكررة تطال جيب المستخدم مباشرة، وليست مجرد شكاوى تتعلق بجودة الخدمة أو انقطاعها.

إحالات للنيابة.. مؤشر على خلل أعمق من "سوء الخدمة"

لم تقتصر إجراءات الجهاز على المتابعة الإدارية، إذ تم إحالة شركات المحمول الأربع العاملة في السوق المصري إلى النيابة العامة على خلفية مخالفات تتعلق بتسجيل خطوط هاتفية بأسماء مستخدمين دون علمهم. هذا الإجراء يحوّل جزءًا من الملف من نطاق "شكاوى الخدمة" الاعتيادية إلى نطاق المخالفات القانونية التي تمس أمان بيانات المستخدمين الشخصية، ويثير تساؤلات حول مدى انتشار هذه الممارسة وعدد المتضررين الفعليين منها.

بين الشفافية والحل الجذري

نشر هذا الكم من البيانات التفصيلية يعكس بلا شك توجهًا نحو مزيد من الشفافية في متابعة أداء شركات الاتصالات. لكن يبقى السؤال الأهم معلقًا: هل تكرار هذه الأرقام فصلًا بعد فصل يعني أن المنظومة تتجه فعليًا نحو تقليص الشكاوى من جذورها، أم أن ارتفاع نسبة الاستجابة يخفي في طياته مشكلة أعمق، تتمثل في أن "الرد السريع" أصبح غاية في حد ذاته، بينما تبقى جودة الخدمة ذاتها على حالها؟