تحل اليوم ذكرى المولد النبوي الشريف، المناسبة التي تحتفظ بمكانة خاصة في وجدان المصريين، إذ ارتبط الاحتفال بها على مدار عقود طويلة بعادات وتقاليد شعبية مميزة، يأتي في مقدمتها شراء حلوى المولد، وعلى رأسها عروسة المولد وحصان المولد.

ورغم أن العروسة والحصان أصبحا من أبرز رموز المولد النبوي في مصر، فإن كثيرين لا يعرفون القصة وراء ظهورهما، ولا أصل ارتباطهما بهذه المناسبة، خاصة مع تعدد الروايات التاريخية التي تناولت نشأتهما.

عروسة المولد.. أيقونة من التراث الشعبي المصري

تُعد عروسة المولد المصنوعة من الحلوى واحدة من أبرز مظاهر التراث الشعبي المصري، واشتهرت بتصميمها المميز وألوانها الزاهية وزينتها المصنوعة من الورق الملون.

وتشير روايات تاريخية إلى أن الرحالة الإنجليزي مارك جرش، الذي عاصر الاحتفال بالمولد النبوي في مصر، وصفها بأنها عروس متألقة الألوان، ترتدي ثيابًا تشبه ملابس العروس الحقيقية، وتظهر في هيئة ثابتة تقريبًا، إذ توضع يداها عند الخصر، بينما تزينها الأوراق الملونة والمراوح التي تثبت خلفها.

ومع مرور السنوات، تحولت عروسة المولد من مجرد قطعة حلوى إلى رمز شعبي ارتبط بالمولد النبوي، وبخاصة لدى الأطفال والفتيات، قبل أن تتغير أشكالها تدريجيًا مع ظهور العرائس البلاستيكية ذات الفساتين المزخرفة.

3 روايات حول أصل عروسة المولد

لا توجد رواية واحدة متفق عليها بشكل قاطع بشأن بداية ظهور عروسة المولد، لكن معظم الروايات الشعبية والتاريخية تربطها بالعصر الفاطمي.

الرواية الأولى.. حلوى الفاطميين

تقول إحدى الروايات إن الفاطميين، منذ وجودهم في مصر، اهتموا بإقامة احتفالات كبيرة بالمولد النبوي، كانت تتضمن الولائم وتوزيع الحلوى على عامة الناس.

وتشير الرواية إلى أن ديوان الحلوى، الذي كان يتولى صناعة الحلوى في الدولة الفاطمية، بدأ في إعداد قوالب مختلفة من الحلوى، من بينها أشكال العرائس والخيول، لتوزيعها على الأطفال والجمهور خلال الاحتفالات.

وكانت هذه الاحتفالات تتضمن خروج الخليفة في موكب كبير، إلى جانب إقامة السرادقات وتقديم الطعام والحلوى للفقراء وعامة الشعب.

الرواية الثانية.. الزواج والانتصارات

رواية أخرى تربط ظهور العروسة والحصان بعادات مرتبطة بالزواج والانتصارات في العصر الفاطمي.

وبحسب هذه الرواية، كان بعض الحكام يشجعون الجنود على الزواج، كما ارتبطت الاحتفالات بالمناسبات العامة والانتصارات. ومن هنا ظهرت فكرة صناعة عرائس جميلة من الحلوى، إلى جانب فارس يمتطي حصانًا، لتقديمها للأطفال والعامة، ثم تحولت هذه الأشكال بمرور الوقت إلى جزء ثابت من مظاهر الاحتفال بالمولد.

الرواية الثالثة.. الحاكم بأمر الله وزوجته

أما الرواية الأشهر فتربط ظهور عروسة المولد بـالحاكم بأمر الله الفاطمي.

وتحكي الرواية أن الحاكم كان يخرج في أحد احتفالات المولد النبوي في موكب كبير برفقة إحدى زوجاته، وكانت ترتدي ثوبًا أبيض وتضع فوق رأسها تاجًا من الزهور.

وبحسب الرواية، استوحى صناع الحلوى شكل العروس من هيئة زوجة الحاكم، وصنعوا إلى جانبها فارسًا يمتطي حصانًا، لتصبح العروسة والفارس مع الوقت من أشهر رموز الاحتفال بالمولد النبوي في مصر.

كيف تُصنع عروسة المولد؟

تبدأ صناعة عروسة المولد التقليدية من مكونات بسيطة، يأتي في مقدمتها السكر والماء وملح الليمون.

ويُذاب السكر في الماء بمقادير محددة، ثم يضاف ملح الليمون إلى الخليط بعد رفعه من على النار، قبل أن تبدأ عملية التقليب حتى يصل الخليط إلى القوام المناسب، ثم يُصب داخل قوالب خشبية مخصصة لصناعة العروسة.

ويتكون القالب عادة من جزأين، أحدهما للوجه والآخر للظهر، ويثبت الجزءان معًا بإحكام أثناء عملية الصب حتى تأخذ الحلوى شكلها النهائي.

ولا تتوقف صناعة عروسة المولد عند صب الحلوى، إذ تأتي بعد ذلك مرحلة التزيين، وهي مهنة ارتبطت بصناع متخصصين يتولون إضافة الأوراق الملونة والزخارف التي تمنح العروسة شكلها المميز.

القالب الخشبي.. سر صناعة العروسة

يُعد القالب الخشبي أحد أهم أسرار صناعة عروسة المولد التقليدية، إذ تبدأ العملية برسم الشكل المطلوب، سواء كان عروسة أو حصانًا أو طائرًا، على قطعة من الخشب.

وبعد تحديد الرسم، يجري تفريغه داخل الخشب لتكوين القالب الذي يُصب فيه خليط الحلوى، ويُترك بعدها حتى يتماسك ويأخذ الشكل المطلوب.

وهكذا تتداخل عدة حرف في صناعة عروسة المولد، بداية من إعداد القالب الخشبي، مرورًا بصناعة الحلوى، وانتهاء بمرحلة التزيين، التي تمنح كل عروسة شكلها المميز.

من الحلوى إلى البلاستيك

ومع تغير العادات وتطور صناعة الهدايا، تراجعت شعبية العروسة المصنوعة من الحلوى مقارنة بما كانت عليه في الماضي، وظهرت بدلًا منها العروسة البلاستيكية ذات الفساتين المزركشة والألوان المتعددة.

وأصبحت العروسة البلاستيكية، في كثير من البيوت المصرية، هدية مرتبطة بموسم المولد النبوي، خصوصًا للفتيات، حتى أصبحت أشكالها أكثر تنوعًا، بينما تراجعت العروسة التقليدية المصنوعة من السكر إلى حد كبير.

ورغم ذلك، لا تزال العروسة الحلاوة حاضرة في الأسواق خلال موسم المولد، محتفظة بمكانتها باعتبارها جزءًا من الذاكرة الشعبية المصرية.

حصان المولد.. فارس على جواده

لم يكن الحصان بعيدًا عن حكاية العروسة، إذ ارتبط هو الآخر بعدد من الروايات التي تعود إلى العصر الفاطمي.

وتقول إحدى الروايات إن الحصان والفارس يمثلان الخليفة صاحب الانتصارات والفتوحات، بينما ترى رواية أخرى أن الفارس يجسد الشاب الذي استطاع الوصول إلى عروسته، في إشارة إلى الشجاعة والإقدام.

ومع ارتباط المولد النبوي بالاحتفالات الشعبية وحفلات الزواج في بعض الروايات، أصبح نموذج الفارس والحصان ملازمًا لعروسة المولد، واستمر ظهورهما معًا حتى العصر الحديث.

رواية أخرى.. جذور مصرية قديمة

وإلى جانب الروايات التي تربط العروسة والحصان بالعصر الفاطمي، توجد آراء أخرى تحاول تفسير الشكل من خلال الرموز المصرية القديمة.

وتذهب هذه الآراء إلى أن الفارس قد يكون مستوحى من تمثال حورس، بينما تحمل بعض عناصر الزينة خلف العروسة تشابهًا مع الرموز المرتبطة بإيزيس، في محاولة لربط بعض أشكال التراث الشعبي المصري بموروثات أقدم.

لكن هذه الرواية تظل ضمن التفسيرات المتداولة، ولا تحظى بنفس مستوى الاتفاق الذي تحظى به الروايات التي تربط ظهور العروسة والحصان بالعصر الفاطمي.

لماذا بقيت عروسة المولد؟

ورغم اختلاف الروايات حول أصل عروسة وحصان المولد، فإن المؤكد أن الشكلين تحولا مع الوقت إلى جزء راسخ من الذاكرة الشعبية المصرية.

فالمولد النبوي بالنسبة لكثير من المصريين لا يرتبط فقط بالاحتفال الديني، وإنما أيضًا بروائح الحلوى وألوانها، وبمشهد العرائس والخيول المنتشرة في الأسواق، وبالهدايا التي تتبادلها الأسر في هذه المناسبة.

وبين عروسة الحلوى التقليدية والعروسة البلاستيكية الحديثة، تستمر الحكاية الشعبية في الانتقال من جيل إلى آخر، لتبقى عروسة المولد وحصانه شاهدين على جانب من التراث المصري الذي قاوم تغير الزمن، حتى وإن تغيرت أشكاله وتفاصيله.

اعتقال 8 أشخاص في روسيا بتهمة التخطيط لهجوم على مؤسسة دفاعية

فتح تحذر من تصعيد إسرائيلي متواصل في الضفة والمسجد الأقصى