حسن الرداد: مسؤوليتنا ليست إيقاف التطور التكنولوجي وإنما توجيهه وتنظيمه وحوكمته.. ونعمل على تحويل تحديات الذكاء الاصطناعي إلى فرص جديدة للعمل والتنمية

وزير العمل: ضوابط وتشريعات لحماية خصوصية العامل ومواجهة التحيز الخوارزمي.. وبرامج قومية لإعادة تأهيل المهن الأكثر تعرضًا للأتمتة

رئيس الجامعة البريطانية: نواكب التحولات التكنولوجية ونعزز الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي بما يحمي حقوق الإنسان

المؤتمر يؤكد: تطوير الأطر القانونية والتشريعية ضرورة لمواكبة الذكاء الاصطناعي وصون الحقوق والحريات

شارك حسن الرداد، وزير العمل، اليوم الإثنين، في ختام أعمال المؤتمر العلمي الرابع لكلية القانون بالجامعة البريطانية في مصر، الذي عقد تحت عنوان «انعكاسات الذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان»، بدعوة من الأستاذ الدكتور محمد لطفي، رئيس الجامعة البريطانية في مصر، وبحضور المستشارة سالي الصعيدي، مساعد وزير العدل لقطاع حقوق الإنسان والمرأة والطفل، والأستاذ الدكتور إبراهيم سلامة، عميد كلية القانون ورئيس المؤتمر، إلى جانب نخبة من الوزراء السابقين والمسؤولين والقضاة والخبراء والأكاديميين والباحثين والمتخصصين في مجالات القانون وحقوق الإنسان والتكنولوجيا، وذلك بمقر الجامعة بمدينة الشروق.

وعلى مدار يومي المؤتمر، ناقشت الجلسات العلمية الأبعاد القانونية والحقوقية المتصلة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والحوكمة الرقمية، وحماية الخصوصية والبيانات الشخصية، والعدالة الخوارزمية، والمسؤولية القانونية والشفافية، ومخاطر التمييز الخوارزمي، فضلًا عن حماية الطفل وضمانات المحاكمة العادلة، والأمن السيبراني، والوصول إلى العدالة، والتنمية المستدامة، وحقوق الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، إلى جانب تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القضاء والإجراءات القضائية ومخاطر تقنيات التزييف العميق والأنظمة عالية المخاطر.

وزير العمل: الحق في العمل أساس للكرامة والاستقلال والاستقرار

وفي كلمته خلال الجلسة الختامية، أكد وزير العمل أن حقوق الإنسان منظومة متكاملة لا تكتمل بالنصوص وحدها، وإنما تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تنعكس على حياة الإنسان اليومية، وتصون كرامته، وتمنحه القدرة على بناء مستقبله والمشاركة في بناء مجتمعه.

وشدد على أن الحق في العمل أحد الحقوق الأساسية للإنسان، موضحًا أن العمل لا يمثل مجرد وسيلة للحصول على دخل، وإنما يرتبط بالكرامة والاستقلال والاستقرار، ويفتح أمام الإنسان طريقًا نحو الحياة الكريمة.

وأوضح أن هذا المفهوم المتكامل لحقوق الإنسان يمثل جزءًا أصيلًا من رؤية الدولة المصرية في الجمهورية الجديدة، التي يضع فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، الإنسان المصري في قلب عملية التنمية وهدفًا رئيسيًا لجهود الدولة.

وأشار إلى أن وزارة العمل تمثل إحدى الأدوات التنفيذية لهذه الرؤية، مؤكدًا أن الوزارة لا تتعامل مع العمل باعتباره مجرد وظيفة، وإنما باعتباره حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان ومسارًا للتمكين وبناء الذات وتحقيق الحياة الكريمة.

وأضاف أن الوزارة تعمل على توفير فرص عمل لائقة بالتعاون مع القطاع الخاص وشركاء التنمية، والتوسع في التدريب والتأهيل وتنمية المهارات، وربط منظومة التدريب باحتياجات سوق العمل، بما يمكن المواطنين من امتلاك المهارات التي تؤهلهم للحصول على فرص عمل حقيقية ومستدامة وفق معايير العمل الدولية.

وأكد استمرار جهود تمكين المرأة وتعزيز دمج الأشخاص ذوي الهمم في سوق العمل، باعتبار أن إتاحة الفرصة أمام كل إنسان للعمل والإنتاج والمشاركة تمثل حقًا أصيلًا ومبدأً للعدالة وتكافؤ الفرص.

كما أشار إلى مواصلة تطوير التشريعات المنظمة لعلاقات العمل، وتهيئة بيئة عمل لائقة وآمنة ومتوازنة تحفظ حقوق العمال وتصون مصالح أصحاب الأعمال وتدعم استقرار سوق العمل، في إطار الحوار والتشاور الاجتماعي.

الذكاء الاصطناعي.. فرصة وتحدٍ لمستقبل العمل

وقال وزير العمل إن الحديث عن انعكاسات الذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان لا يتعلق بقضية تكنولوجية أو قانونية مجردة، وإنما يتعلق بمستقبل الإنسان نفسه ومستقبل العمل، وقدرة العامل على أن يظل شريكًا أساسيًا في عملية الإنتاج في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.

وأوضح أن الثورة التكنولوجية تفرض إعادة التفكير في أدوات العمل والمهارات المطلوبة والتشريعات المنظمة للعلاقات المهنية، وكيفية حماية الإنسان من مخاطر التطور، وفي الوقت نفسه تمكينه من الاستفادة من الفرص التي يتيحها.

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يحمل فرصًا واسعة لرفع الإنتاجية وتحسين جودة العمل وخلق أنماط جديدة من الوظائف النوعية في مجالات تحليل البيانات وهندسة البرمجيات والأمن السيبراني وتطوير البنية الرقمية وغيرها من المجالات المستحدثة.

وفي المقابل، أكد وجود تحديات حقيقية يجب الاعتراف بها ومواجهتها من خلال التعاون والشفافية، من بينها تغير طبيعة بعض الوظائف واستبدال بعض أشكال العمالة البشرية في قطاعات الصناعة والخدمات اللوجستية والخدمات المكتبية والوظائف الروتينية، فضلًا عن الفجوة بين المهارات المتاحة والمهارات التي يحتاج إليها سوق العمل.

ولفت إلى مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد البشرية، ومنها التمييز الخوارزمي وانتهاك خصوصية العمال وإخضاعهم لرقابة رقمية دائمة، مؤكدًا أهمية وجود تشريعات واضحة وآليات رقابة فعالة وحوار اجتماعي مستمر، لضمان أن تكون التكنولوجيا وسيلة للتطوير وليست مصدرًا جديدًا للمخاطر.

«لا نريد العامل في مواجهة التكنولوجيا.. بل المستفيد الأول منها»

وشدد وزير العمل على أن إدارة التحول التكنولوجي لا يمكن أن تنفرد بها الحكومة وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة تتطلب حوارًا اجتماعيًا متواصلًا بين الحكومة وممثلي أصحاب الأعمال والمنظمات النقابية العمالية، إلى جانب الجامعات ومراكز البحث والخبراء المتخصصين.

وقال: «التكنولوجيا يجب أن تظل أداة في يد الإنسان ولخدمة الإنسان، لا بديلًا يسلبه كرامته وحقه في العمل والعيش الكريم»، مؤكدًا أن مسؤولية الدولة ليست إيقاف التطور التكنولوجي، وإنما توجيهه وتنظيمه وحوكمته بما يضمن أن تظل التكنولوجيا أداة لخدمة الإنسان.

وفي هذا السياق، أوضح أن وزارة العمل ستعمل بالتعاون مع الشركاء الاجتماعيين والجهات القضائية والأكاديمية على تنفيذ القرارات الوزارية واللوائح الخاصة بأنماط العمل الجديدة، تنفيذًا لأحكام قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، بما يستوعب الأنماط المستحدثة للعمل الرقمي والعمل عن بُعد.

كما أكد العمل على تقنين استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، ووضع الضوابط التي تحمي خصوصية العامل وتحظر الممارسات الرقابية التي تنتهك حقوقه أو تنطوي على تحيز خوارزمي في عمليات التعيين أو التقييم أو إنهاء الخدمة.

برامج تدريبية لمواجهة مخاطر الأتمتة

وأكد وزير العمل أن حماية العامل في عصر الذكاء الاصطناعي لا تبدأ من التشريع فقط، وإنما تبدأ كذلك من تعزيز قدرته على المنافسة.

وأوضح أن الوزارة تواصل، بالتعاون مع الجامعات والشركاء المعنيين، العمل على برامج تدريب قومية موسعة تستهدف إعادة تأهيل العمال في المهن الأكثر تعرضًا للأتمتة، وإكسابهم المهارات الرقمية، إلى جانب المهارات الإنسانية والتحليلية والإبداعية التي يصعب على الآلات أن تحل محلها.

وشدد على أن الوزارة «لا تريد أن يكون العامل في مواجهة التكنولوجيا، وإنما أن يكون المستفيد الأول منها»، والقادر على استخدامها وتوظيفها وتطوير مهاراته من خلالها، موضحًا أن فلسفة الوزارة تقوم على الاستعداد للمستقبل قبل أن يفرض تحدياته، وتحويل التطور التكنولوجي من مصدر للقلق إلى فرصة جديدة للإنسان والعمل والتنمية.

واختتم الوزير كلمته بالتأكيد على أن الأوراق البحثية التي طُرحت خلال المؤتمر والتوصيات التي تمخضت عنها جلساته يمكن أن تمثل خارطة طريق للاستفادة منها في صياغة التشريعات وإعداد الخطط والسياسات العامة، معربًا عن تطلعه إلى تلقي التقرير الختامي للمؤتمر، والتعاون مع الجامعة البريطانية وكافة الجهات والمشاركين لدراسة مخرجاته والاستفادة منها ووضع ما يمكن تطبيقه منها موضع التنفيذ.

رئيس الجامعة البريطانية: الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي ضرورة

من جانبه، أكد الأستاذ الدكتور محمد لطفي، رئيس الجامعة البريطانية في مصر، حرص الجامعة على تنظيم واستضافة المؤتمرات والفعاليات العلمية التي تتناول قضايا الذكاء الاصطناعي والتطور التكنولوجي، انطلاقًا من إيمانها بأهمية مواكبة المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، وبما يتسق مع توجهات الدولة المصرية ورؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي نحو تعزيز دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم مسيرة التنمية وبناء اقتصاد قائم على المعرفة.

وأشار إلى أن المؤتمر يأتي في إطار دور الجامعة في دعم جهود الدولة لتعظيم الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على ضرورة وضع الأطر القانونية والأخلاقية المنظمة لاستخدام هذه التقنيات، بما يضمن تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار والاستفادة من الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، وبين حماية حقوق الإنسان والحريات العامة، وترسيخ الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا بما يخدم المجتمع ويضع الإنسان في مقدمة الأولويات.

«العدل»: التشريعات مطالبة بمواكبة التطورات التكنولوجية

ومن جانبها، أكدت المستشارة سالي الصعيدي، مساعد وزير العدل لقطاع حقوق الإنسان والمرأة والطفل، أهمية مواصلة الحوار المتخصص حول انعكاسات الذكاء الاصطناعي على منظومة حقوق الإنسان، وضرورة مواكبة التشريعات للتطورات التكنولوجية المتسارعة، بما يعزز حماية الحقوق والحريات ويضمن الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة.

وشهد المؤتمر مشاركة علمية وقانونية واسعة من نخبة من القضاة والخبراء والأكاديميين والمتخصصين، الذين تناولوا خلال جلساته مختلف الأبعاد المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحقوق والحريات، مؤكدين أهمية التكامل بين المؤسسات الأكاديمية والجهات القضائية ومؤسسات الدولة والخبراء في التكنولوجيا وحقوق الإنسان، لتطوير رؤى قانونية وتشريعية قادرة على الاستجابة للتحديات الجديدة.

واختُتمت فعاليات المؤتمر بالتأكيد على أهمية مواصلة البحث العلمي والحوار متعدد التخصصات حول الذكاء الاصطناعي، والاستفادة من مخرجات وتوصيات جلساته، بما يدعم جهود تطوير منظومة قانونية تواكب التحول الرقمي، وتحقق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية حقوق الإنسان وسيادة القانون.