بينما تتصاعد أرقام الإصابات في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية لتتجاوز 6 آلاف حالة مؤكدة، وتصف منظمة الصحة العالمية الوضع بأنه "غير مسيطر عليه" مع اتساع رقعة التفشي إلى أكثر من 26 منطقة صحية، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا بالنسبة للمواطن المصري بعيدًا عن تفاصيل الوباء نفسه: هل يمكن أن يصل هذا الفيروس إلى مصر؟ وما الذي تفعله الدولة لمنع تسلله عبر المطارات والموانئ والمنافذ البرية؟
كيف ينتقل الفيروس.. ولماذا لا ينتقل بسهولة بين المسافرين؟
يخرج فيروس إيبولا، وتحديدًا سلالة "بونديبوجيو" المسؤولة عن التفشي الحالي، عن عائلة فيروسات نزفية شديدة الخطورة، لكنه لا ينتقل عبر الهواء أو بالمخالطة العابرة كما هو الحال في فيروسات الجهاز التنفسي. العدوى تتطلب ملامسة مباشرة لسوائل جسم شخص مصاب أو متوفى بالمرض، مثل الدم أو العرق أو القيء أو الدم أثناء مراسم الدفن التقليدية، أو ملامسة أسطح وأدوات ملوثة بهذه السوائل. وهذا ما دفع منظمة الصحة العالمية نفسها إلى التأكيد على أن خطورة المرض لا تعني بالضرورة سهولة انتقاله، وأن العدوى "لا تنتقل بالاتصال العابر"، أي أن الجلوس بجوار شخص مصاب في طائرة أو مطار، دون تلامس مباشر مع سوائله الجسدية، لا يشكل في حد ذاته خطر عدوى وفق التعريفات العلمية المعتمدة. ومع ذلك، فإن فترة الحضانة التي قد تمتد حتى 21 يومًا تعني أن الشخص المصاب قد يسافر وهو لا يزال بلا أعراض ظاهرة، وهو ما يجعل الترصد عند نقاط الدخول، لا الفحص العابر فقط، هو خط الدفاع الحقيقي.
أين يتركز التفشي الحالي؟
بدأ التفشي السابع عشر من نوعه في تاريخ الكونغو الديمقراطية منتصف مايو الماضي، وتوسع تدريجيًا من بؤرتين محدودتين في إقليم إيتوري ليطال ست مقاطعات ونحو 60 منطقة صحية في شمال البلاد وشرقها، وهي مناطق يضعف فيها حضور الدولة وتنشط فيها جماعات مسلحة، ما يعرقل وصول فرق الاستجابة. وامتد القلق إلى أوغندا المجاورة، حيث سجلت إصابات مرتبطة بالسلالة نفسها، ما دفع منظمة الصحة العالمية إلى إعلان حالة "طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا"، وهو تصنيف أقل حدة من "الجائحة العالمية" لكنه يستوجب تنسيقًا دوليًا عاجلاً. ويحذر خبراء أفارقة من أن عشر دول أخرى مهددة بخطر امتداد العدوى إليها بحكم قربها الجغرافي وحركة السفر والتجارة عبر الحدود، أبرزها جنوب السودان وكينيا وتنزانيا وإثيوبيا ورواندا وبوروندي، وجميعها دول لا ترتبط بمصر بخطوط سفر مباشرة كثيفة، ما يقلل، وفق التقييم الحالي لمنظمة الصحة العالمية، من احتمالية وصول الفيروس مباشرة إلى شمال أفريقيا، رغم بقاء هذا الاحتمال قائمًا نظريًا عبر رحلات العبور والمسافرين القادمين من دول الجوار.
كيف تراقب الدول القادمين من المناطق المتضررة؟
يعتمد النظام الدولي للترصد الوبائي في نقاط الدخول على مبدأ "المناظرة الصحية"، وهي فحص أولي غير جراحي يشمل قياس درجة حرارة المسافرين القادمين من دول أو مناطق مصنّفة ضمن بؤر التفشي، إلى جانب استيفاء بيانات دقيقة عن مسار رحلتهم ومكان إقامتهم داخل البلاد المستقبلة، بما يتيح تتبعهم لاحقًا إذا ظهرت عليهم أعراض. وتوصي منظمة الصحة العالمية الدول المجاورة للبؤرة الوبائية بتكثيف هذا الترصد، بينما تكتفي الدول الأبعد جغرافيًا، ومنها مصر، برفع درجة الاستعداد العام دون فرض قيود على حركة الطيران أو حظر سفر، وهو ما أكدت عليه المنظمة صراحة حين دعت الدول إلى تجنب أي إجراءات مبالغ فيها قد تعرقل حركة السفر والتجارة دون مبرر وبائي حقيقي.
ماذا يحدث لمسافر ظهرت عليه أعراض مشتبه بها؟
في حال رصد حالة حمى أو أعراض تشتبه في ارتباطها بإيبولا لدى مسافر قادم من منطقة متأثرة، يجري تفعيل بروتوكول موحد يبدأ بعزل الشخص فورًا في عيادة الحجر الصحي الموجودة داخل المنفذ نفسه، قبل نقله إلى مستشفى معزول مجهز للتعامل مع الأمراض شديدة العدوى. وتشمل الإجراءات التالية إخطار فرق الترصد الوبائي، وتحديد قائمة المخالطين المحتملين على متن الرحلة نفسها لمتابعتهم، وتعقيم وسائل النقل والأماكن التي تواجد بها الشخص المشتبه في إصابته، مع الاحتفاظ بعينات لتحليلها مخبريًا للتأكد من التشخيص. وتستمر متابعة القادمين من المناطق المتأثرة، سواء ظهرت عليهم أعراض أم لا، لمدة تصل إلى 21 يومًا من تاريخ الوصول، وهي المدة القصوى لفترة حضانة الفيروس.
الإجراءات الممكنة في المطارات والمنافذ
تتلخص أدوات المواجهة عند نقاط الدخول في مجموعة محاور متكاملة: رفع درجة التأهب في جميع المنافذ الجوية والبحرية والبرية، وتوفير كاميرات الحرارة والفحص الأولي للقادمين من الدول المتأثرة، وتجهيز عيادات حجر صحي وغرف عزل جاهزة داخل المطارات الكبرى، وتدريب الفرق الطبية العاملة في هذه النقاط على بروتوكولات التعامل الآمن مع الحالات المشتبه بها، إلى جانب التنسيق اللحظي مع منظمة الصحة العالمية لمتابعة أي تطورات في خريطة التفشي العالمية، وتحديث قوائم الدول المصنفة ضمن بؤر الخطر بشكل مستمر.
هل هناك إجراءات احترازية مصرية بالفعل؟
منذ إعلان منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ الصحية الدولية في مايو الماضي، أكدت وزارة الصحة والسكان المصرية خلو البلاد التام من أي إصابة بالفيروس، مع رفع درجة الاستعداد في جميع منافذ الدخول الجوية والبحرية والبرية ضمن منظومة الترصد الوبائي والاستعداد المبكر. وشملت الإجراءات المعلنة تطبيق المناظرة الصحية للقادمين من المناطق المتأثرة، ومتابعتهم لمدة 21 يومًا عند الحاجة، وتعزيز جاهزية فرق الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، وتجهيز عيادات الحجر الصحي وغرف العزل ووسائل النقل الآمن، إلى جانب بروتوكولات صارمة للتعامل مع المخلفات الطبية فور الاشتباه بأي حالة. كما وجهت الوزارة نصيحة صريحة للمواطنين بتأجيل السفر غير الضروري إلى الدول والمناطق الأفريقية التي أعلنت المنظمة الدولية عن فاشيات فيها، وحثت على تجنب الاحتكاك المباشر بالحالات المصابة أو سوائل الجسم في تلك المناطق، مع التأكيد على أن جميع هذه الخطوات احترازية ولا ترتبط برصد أي خطر مباشر داخل الحدود المصرية حتى الآن.
يبقى التفشي الحالي في الكونغو الديمقراطية، رغم اتساعه غير المسبوق، حدثًا إقليميًا محصورًا جغرافيًا وبعيدًا عن مصر بمسافات ونظم سفر تقلل من احتمالية الانتقال المباشر. لكن مع استمرار الفيروس خارج السيطرة في بؤرته الأصلية، وتحذيرات من امتداده إلى دول أفريقية إضافية، يظل السؤال مطروحًا: هل تكفي إجراءات الترصد عند المنافذ وحدها، أم أن اختبار الجاهزية الحقيقي لن يظهر إلا في اللحظة التي تُكتشف فيها أول حالة مشتبه بها على أرض مصرية؟
