مفتي جمهورية سنغافورة يلقى كلمة الوفود المشاركة ويؤكد: الأسرة تواجه اليوم تحوُّلات متسارعة تمس مفهومها ووظيفتها وتؤثر في العلاقات بين أفرادها

أكد الدكتور ناظر الدين محمد، مفتي جمهورية سنغافورة، أن مؤتمر الإفتاء هذا العام ناقش ركنًا من أهم أركان المجتمع، يعتمد عليه صلاح المجتمعات واستقرارها وازدهارها، ألا وهو مؤسسة الأسرة، لافتًا إلى أن الأفراد والأسر يجدون أنفسهم يسبحون في أفلاك فكرية وأيديولوجية وقِيمِيَّة لا تميز بين صغير وكبير، وفقير وغني، وعالِم وجاهل، وذكر وأنثى، وشرق وغرب، تتنافس فيها الأفكار والقيم للتأثير والهيمنة والتحكم على العقيدة والأنماط والسلوكيات.  

جاء ذلك خلال الجلسة الختامية للمؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، والذي يأتي تحت عنوان: "التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية"، يومي 2 و3 سبتمبر 2026، بمشاركة نخبة من العلماء والمفتين والباحثين من مختلف دول العالم.

تنقل مراكز التأثير من مؤسسات العلم والفتوى إلى مراكز جديدة متبعثرة أمر حقيقي

وأضاف مفتي سنغافورة أن تنقل مراكز التأثير من مؤسسات العلم والفتوى إلى مراكز جديدة متبعثرة أمر حقيقي، حيث لم نعد نملك اليوم سوى قدر ضئيل من التأثير أو التحكم في المسار الذي تتخذه الأسر والمجتمعات في حياتها، إلا إذا اخترنا أن نكون أكثر مواكبة للواقع في نهجنا، وأكثر إيجابية في تفاعلنا، وأكثر قدرة على الإقناع بأفكارنا وحججنا وردودنا، مشيرًا إلى أن دور العلماء والمفتين لا يقتصر على بيان الأحكام، بل يمتد إلى بناء الإنسان، وتقويم السلوك، وترسيخ القيم والأخلاق.


وفي نفس السياق أكد مفتي سنغافورة على الدور المحوري الذي تضطلع به الأسرة باعتبارها المدرسة الأولى للأخلاق ومنبع تشكيل شخصية الإنسان، مشددًا على ضرورة أن تظل مؤسسات العلم والفتوى قريبة من الأسرة، واعية بتحولاتها المستمرة، ومساهمة بفاعلية في دعم بنائها الأخلاقي والإيماني، مستشهدًا بالمنهج القرآني الحكيم في الإصلاح والتغيير مستندًا إلى قوله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34، 35]، لافتًا إلى أن العالم وإن تغير بسرعة، فإن حاجة البشرية إلى الحكمة والرحمة والهداية تظل ثابتة لا تتغير.


وفي ختام كلمته، أُعرب مفتي سنغافورة عن بالغ سروره بالتوافق القائم بين فعاليات المؤتمر ومساعي سنغافورة في تأسيس جامعة سنغافورة للدراسات الإسلامية، التي تجعل قضايا الأسرة محورًا رئيسيًّا يدرس بمنظور متكامل، كما توجَّه بالشكر الجزيل لجهود دار الإفتاء والأزهر الشريف على دعمهم المتواصل لهذه المبادرة ومشاركتهم الفعالة بالأفكار النيرة والخبرات العلمية والثاقبة، مشيرًا إلى أنه لا ينبغي أن ينتهي الحوار وهذه المناقشات بانتهاء فعاليات المؤتمر، بل ينبغي أن تنطلق من جديد بختامه، وأن تتحول الأفكار إلى مبادرات، والرؤى إلى برامج، والتوصيات إلى عمل ملموس في مجتمعاتنا.


يُذكر أن المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية، المنعقد بالقاهرة تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، يأتي هذا العام تحت عنوان: «التحديات الأُسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، بمشاركة كبار العلماء والسياسيين والمفتين وممثلي المؤسسات الدينية والفكرية من مختلف دول العالم. ويناقش المؤتمر آليات التحول من «فقه معالجة الأزمات» إلى «فقه الوقاية والاستباق»، بهدف صيانة الكيان الأسري في مواجهة المتغيرات المتسارعة، وتأثيرات الذكاء الاصطناعي، والانفتاح الرقمي، وذلك عبر بناء رؤية إفتائية ومجتمعية متكاملة تتضافر فيها العلوم الشرعية مع العلوم الاجتماعية والنفسية والتكنولوجية لحماية الهُوية وتعزيز الاستقرار المجتمعي.