أعلنت الصحفية مريم جبل تقدمها باستقالتها الرسمية من عضوية نقابة الصحفيين، وتنازلها عن عضويتها رقم (8793) المقيدة بجداول المشتغلين، وذلك في خطاب وجهته إلى الأستاذ خالد البلشي، نقيب الصحفيين، والأستاذ جمال عبد الرحيم، السكرتير العام، وأعضاء مجلس النقابة، كشفت خلاله عن الأسباب والمواقف التي دفعتها إلى اتخاذ قرارها.

وقالت مريم جبل في خطابها إنها التحقت بـ«بلاط صاحبة الجلالة» عام 2006، وقُيدت بنقابة الصحفيين عام 2011، موضحة أنها كانت تظن أنها تضع قدميها في «محراب وطني خالص»، تمارس فيه الكلمة باعتبارها رسالة نبيلة ومسؤولية مقدسة، وتلتف فيه مع زملائها حول قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وإقامة دولته.

مريم جبل: صُدمت بواقع مهني مرير

وأضافت مريم جبل أنها كانت تؤمن دائمًا بأن الكلمة سلاح فعال في معركة الحق ضد الباطل، وأن الصحفي الحقيقي لا يكتفي بنقل الأحداث، وإنما يتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه وطنه ومجتمعه.

وقالت إنها، بحسب تعبيرها، «صُدمت بواقع مهني مرير»، بعدما وجدت بعض أنماط الخطاب والمحتوى الصحفي الموجه تتقاطع بشدة مع أفكار ومضامين سبق أن قرأتها في أدبيات المؤامرات السياسية، مشيرة إلى كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»، ومعتبرة أن تلك الأفكار تتعلق بتوظيف أدوات الإعلام في إضعاف الدول وإسقاط الأنظمة وتفكيك المجتمعات وتشريد الشعوب، تحت عناوين وصفتها بالبَراقة للحريات والإنسانية والإثارة.

انتقادات لمواقف مجلس نقابة الصحفيين

وأعربت مريم جبل عن استيائها مما وصفته بوجود تيار داخل المهنة «يحارب من أجل إبعاد الصحفي المصري عن دوره الوطني، وعن التعاون المسؤول مع مؤسسات الدولة الوطنية».

وقالت إن العلاقة بين الصحافة والدولة لا ينبغي، من وجهة نظرها، أن تقوم فقط على الصدام، كما أن الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى هدم، والمعارضة إلى خصومة، والنقد إلى محاولة للنيل من المؤسسات.

وأضافت أنها ترى أن بعض مواقف مجلس النقابة اتخذت منحى تصادميًا، تضمن، بحسب وصفها، هجومًا متكررًا على مؤسسات الدولة، ومحاولات لتبرير إخفاقات إدارية، وإثارة حالة من الاستقطاب والتفرقة بين الصحفيين ومؤسساتهم.

اعتراض على تكريم شخصيات مرتبطة بجماعة الإخوان

وأشارت مريم جبل في خطابها إلى ما وصفته بإعلان تكريم شخصيات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، ومن بينها صلاح عبد المقصود، وزير الإعلام في عهد حكم الجماعة.

وقالت إن استياءها من هذا الأمر يأتي في ظل استمرار ما وصفته بألم ورفض قطاعات واسعة من الصحفيين والمصريين لمواقف وتصريحات تلك المرحلة، ومن بينها ما يتعلق بالشهيد الصحفي الحسيني أبو ضيف.

مريم جبل تنتقد قرار الانضمام إلى الاتحاد الدولي للصحفيين

وقالت مريم جبل إن صدمتها، بحسب وصفها، بلغت ذروتها عندما علمت بقرار نقيب الصحفيين الصادر في نوفمبر 2023 بشأن الانضمام إلى الاتحاد الدولي للصحفيين.

وطرحت في خطابها تساؤلًا قالت إنه يأتي «بمرارة شديدة»، حول كيفية جلوس الصحفي المصري، الذي وصفته بصاحب التاريخ الطويل في رفض التطبيع، تحت مظلة اتحاد يمكن أن تضم في عضويتها ممثلين عن صحفيين من دولة الاحتلال.

وأقرت بأن الكيان الإسرائيلي ليس عضوًا حاليًا في الاتحاد، وأن وضع العضوية والاشتراكات تحكمه إجراءات ولوائح، لكنها أكدت أن اعتراضها يتجاوز التفاصيل الإجرائية إلى ما وصفته بـ«المبدأ».

وقالت: «هل نقبل أصلًا أن تصبح الصحافة المصرية جزءًا من إطار مهني دولي قد يجمعها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بممثلين عن كيان الاحتلال، بينما دماء أهلنا في غزة لم تجف بعد؟».

وأكدت أن رفض التطبيع بالنسبة إليها ليس موقفًا عابرًا، وإنما جزء من الضمير الوطني المصري ومن تاريخ طويل من التضامن مع الشعب الفلسطيني.

مريم جبل تؤكد دعمها لحل الدولتين

وفي الوقت نفسه، أكدت مريم جبل أن دعمها للقضية الفلسطينية يعني، بحسب ما ورد في خطابها، ضرورة وجود حل يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويحفظ أمن المنطقة.

وقالت إن حل الدولتين، الذي يضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وفق تسوية عادلة تضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتضع حدًا للاحتلال والاستيطان، وتضمن أمن جميع شعوب المنطقة، يمكن أن يكون أساسًا واقعيًا لأي سلام دائم.

وأضافت أن السلام الحقيقي، من وجهة نظرها، لا يمكن أن يُبنى على فرض الأمر الواقع أو تجاهل حقوق الفلسطينيين، أو تطبيع العلاقات بينما تستمر المأساة الإنسانية والاحتلال دون أفق سياسي عادل.

اعتراض على «أكواد الاتحاد الدولي» ومفاهيم الجندر

وانتقدت مريم جبل ما وصفته بـ«الهرولة خلف ما يسمى بأكواد الاتحاد الدولي»، ومحاولات إدخال مفاهيم مثل «الجندر» وغيرها في مواثيق العمل الصحفي.

وقالت إنها ترى أن هذه المفاهيم تتعارض مع منظومة القيم الدينية والاجتماعية والثقافية التي يؤمن بها قطاع واسع من أعضاء الجمعية العمومية، مضيفة أنها ترفض تحول المواثيق المهنية إلى بوابة لفرض مفاهيم اجتماعية وثقافية محل خلاف واسع داخل المجتمع تحت عناوين مثل الحرية والتطوير والحقوق.

وأشارت إلى أنه جرى حذف مصطلح «الجندر» من ميثاق الشرف الصحفي، معتبرة ذلك أمرًا تقدره، لكنها تساءلت عن الضمانة لعدم إعادة طرح هذه المفاهيم مستقبلًا بصورة مباشرة أو غير مباشرة، خصوصًا إذا أصبحت مرتبطة بأكواد أو التزامات مهنية دولية.

انتقادات لدعوات تتعلق بالبغاء والثوابت الاجتماعية

كما قالت مريم جبل إن ظهور دعوات ومواقف تدفع، بحسب وصفها، باتجاه تقنين البغاء أو إعادة تعريف بعض الثوابت الأخلاقية والاجتماعية، يفرض على نقابة الصحفيين موقفًا واضحًا ومسؤولًا يحترم قيم المجتمع المصري وثوابت جمعيته العمومية.

مريم جبل: الانتخابات لا تمنح تفويضًا أبديًا

وتوقفت الصحفية المستقيلة عند مسألة الانتخابات ونتائجها، مؤكدة أن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع واحترام نتائج الانتخابات يمثل أصلًا من أصول العمل النقابي والديمقراطي.

إلا أنها شددت على أن نتائج الانتخابات، أيًا كانت، ليست ضمانة أبدية لصحة كل قرار، ولا تمثل تفويضًا مفتوحًا لتغيير ثوابت المجتمع أو تمرير سياسات تتجاوز إرادة الجمعية العمومية.

وقالت إن الانتخابات تمنح مسؤولية معينة لفترة زمنية محددة، ولا تمنح تفويضًا أبديًا، كما أن نتائج أي انتخابات تظل قابلة للتغيير من دورة إلى أخرى.

وأضافت أن حماية الثوابت المهنية والوطنية والأخلاقية يجب أن تقوم على لوائح واضحة وضمانات مؤسسية ورقابة الجمعية العمومية، وليس على افتراض أن نتائج الانتخابات المستقبلية ستكون دائمًا في اتجاه واحد.

دعوة لفتح نقاش حول مستقبل المهنة

ووجهت مريم جبل نداءً إلى أعضاء الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، مؤكدة أنها لا تزايد على وطنيتهم وإخلاصهم، لكنها قالت إنها تنظر إلى المستقبل «بعين الخشية والقلق».

وأعربت عن خشيتها من أن يصل الأمر إلى أن يصبح الصحفي المصري جزءًا من منظومة مهنية تُفرض عليه فيها أكواد ومفاهيم لا تنسجم، بحسب رؤيتها، مع عقيدته أو قيم مجتمعه.

وقالت إنها تخشى أن تتحول قضايا مثل الجندر والمثلية والبغاء إلى موضوعات تناقش باعتبارها معايير مهنية ملزمة، بينما يجلس في المقابل ممثلون عن كيان الاحتلال على الطاولة نفسها.

وأضافت أن ما تخشاه ليس مجرد قرار منفرد، وإنما «مسار طويل يبدأ بخطوة صغيرة، ثم يصبح عرفًا، ثم يتحول إلى التزام، ثم يصبح التراجع عنه بالغ الصعوبة».

مريم جبل: أختلف مع مجلس النقابة ولا أختلف مع الصحفيين

وقالت مريم جبل إنها كانت تحمل التفاؤل والحلم والأمل في إصلاح ما وصفته بما أفسده المنتفعون، والعودة بالصحافة إلى محتوى هادف يبني الإنسان ويدعم ثوابت الوطن ويحترم عقيدته وقيمه ويضع المصلحة المصرية فوق أي أجندة أخرى.

وأضافت: «لكنني اليوم أقف عند لحظة فاصلة أختار فيها النجاة بنفسي وديني وضميري، خوفًا من حساب الخالق العظيم».

وأكدت أن اختلافها مع مجلس النقابة لا يعني اختلافها مع زملائها الصحفيين أو مع مهنة الصحافة التي قالت إنها أحبّتها ومارستها طوال سنوات، وإنما هو اختلاف في الرؤية والمبادئ والمسار الذي تراه أصلح لمستقبل المهنة والوطن.

«لسنا أمام مجرد خلاف في وجهات النظر»

واعتبرت مريم جبل أن ما يحدث، من وجهة نظرها، لا يمثل مجرد خلاف في وجهات النظر، وإنما يتعلق بأسئلة كبرى حول هوية الصحافة المصرية وحدود مسؤوليتها الوطنية وموقعها من قضايا المجتمع ومدى قدرتها على حماية العقل والوعي والثوابت في عالم تتغير فيه المفاهيم بسرعة شديدة.

وقالت إن تفكيك المجتمعات لا يبدأ دائمًا بتفكيك الحدود الجغرافية، وإنما قد يبدأ، بحسب تعبيرها، بتفكيك الإنسان نفسه وقيمه وانتمائه وثوابته، ثم يأتي بعد ذلك كل شيء.

انتقادات حادة لإدارة النقابة

وفي جزء آخر من خطابها، قالت مريم جبل إنها ترى «عوارًا وانفصامًا» في إدارة النقابة، مضيفة أنه بدلًا من أن تقف النقابة، من وجهة نظرها، صفًا واحدًا مع جموع الشعب المصري وتتنفس بنبضه وتدافع عن استقرار الوطن ومؤسساته، فإنها ترى أحيانًا إصرارًا على «تقمص دور المعارضة الدائمة».

وأضافت أن ذلك يتضمن، بحسب وصفها، استخدام إسقاطات سلبية مستمرة تجاه مؤسسات الدولة، بما قد ينعكس سلبًا على هيبتها وتماسكها.

كما أكدت رفضها أن تتحول النقابة إلى مساحة لإعادة الاعتبار إلى رموز أو شخصيات ارتبطت، بحسب رؤيتها، في وجدان المصريين بأحداث مؤلمة أو بممارسات أضرت بالدولة والمجتمع.

واعتبرت أن ما يحدث، من وجهة نظرها، يمثل «هرولة نحو فخ ناعم» تُقدم بعض أفكاره تحت عناوين «التطوير» و«الحريات» و«المعايير الدولية»، بينما قد تحمل بعض هذه العناوين مفاهيم تتصادم مع خصوصية المجتمع المصري وهويته وقيمه.

مريم جبل: أنسحب وأنا راضية عن قراري

وقالت مريم جبل في خطاب استقالته إنها تنسحب وهي «راضية عن قراري، مطمئنة إلى أنني اخترت ما يمليه عليّ ضميري»، مستشهدة بقوله تعالى:

{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}

وأكدت في  خطابها على موقفها قائلة: «ومهما حاك الأعداء من مؤامرات، ومهما تبدلت الظروف، ومهما اشتدت الأزمات، فإن الله أكبر وأعظم من كيد الكائدين»، قبل أن توقع خطابها بصفتها الصحفية المستقيلة مريم جبل.