في العادة، حين يرفع البنك المركزي الأمريكي الفائدة يتراجع الذهب، لأن المعدن الذي لا يدرّ عائدًا يفقد جزءًا من بريقه أمام السندات والودائع. غير أن الأسبوع الجاري قلب هذه القاعدة رأسًا على عقب: فقد رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة، وارتدّ الذهب صعودًا. فما الذي جرى بالضبط؟ وماذا يعني ذلك للمدّخر المصري الذي يراقب شاشات الصاغة كل صباح؟

خريطة الأسعار في الصاغة

بحسب قراءات منتصف تعاملات اليوم، جاءت الأسعار في السوق المحلية على النحو التالي (بالجنيه المصري للجرام، دون المصنعية والضريبة):

العيار الشراء البيع

عيار 24 7,245 7,302

عيار 21 6,340 6,390

عيار 18 5,434 5,477

أما الجنيه الذهب، وهو ثمانية جرامات من عيار 21، فيدور حول 51,120 جنيهًا. وعالميًا، تتداول الأونصة قرب 4,378 دولارًا.

اللافت أن عيار 21، الأكثر تداولًا في مصر، كان يُباع قبل أسبوع تقريبًا عند نحو 6,260 جنيهًا، أي أنه ربح قرابة 130 جنيهًا في الجرام، بنحو 2% خلال سبعة أيام فقط.

لماذا صعد الذهب رغم رفع الفائدة؟

قرر الفيدرالي في اجتماعه يومي 15 و16 سبتمبر رفع الفائدة 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75% – 4.00%. لكن القرار نفسه لم يكن مفاجئًا؛ فالأسواق كانت قد سعّرته مسبقًا بعدما رجّحت غالبية الاقتصاديين هذا السيناريو، وهو ما أضعف أثره على المعدن النفيس. وقبيل الاجتماع كانت الأونصة قد تراجعت إلى نحو 4,289 دولارًا، أي أن جزءًا كبيرًا من الألم كان قد وقع بالفعل.

وإلى جانب التسعير المسبق، تبرز عوامل أخرى دعمت الأسعار:

تراجع عوائد السندات الأمريكية بعد القرار، ما خفّف من كلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب.

استمرار مشتريات البنوك المركزية، وفي مقدمتها الصين، وهي مشتريات تشكّل قاعدة طلب صلبة لا تتأثر بتقلبات المضاربين.

التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة، اللذان يعززان جاذبية الذهب بوصفه ملاذًا آمنًا ويغذيان في الوقت نفسه المخاوف التضخمية.

الإشارة الأخطر: ما بعد القرار

الأهم من رفع الفائدة ذاته هو ما أعقبه من توقعات. فقد أظهرت التقديرات الجديدة للفيدرالي أن 16 من أصل 18 مسؤولًا يتوقعون رفعًا إضافيًا قبل نهاية العام، وأن متوسط التوقعات للفائدة بنهاية 2026 ارتفع إلى 4.1% مقارنة بـ 3.8% في تقديرات يونيو. كما رُفعت توقعات تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي إلى 3.7% للعام الجاري.

معنى ذلك أن الذهب يواجه بيئة نقدية أكثر تشددًا مما كان متوقعًا، وأن الصعود الحالي قد يكون ارتدادًا فنيًا أكثر منه بداية اتجاه جديد. ويكفي النظر إلى الصورة الأوسع: فالأونصة لا تزال أدنى بنحو 22% من مستواها القياسي البالغ 5,602 دولارًا الذي سجلته في 29 يناير الماضي، وتجاوزت 4,600 دولار قبل نحو شهر، قبل أن تفقد جزءًا معتبرًا من مكاسبها.

ماذا يعني ذلك للمدّخر المصري؟

يتحدد سعر الذهب في مصر بمعادلتين متلازمتين: سعر الأونصة عالميًا، وسعر صرف الدولار أمام الجنيه. وبالتالي فإن أي صعود في الأونصة يتضخم محليًا إذا اقترن بضغط على العملة، وأي تراجع عالمي قد لا ينعكس بالكامل إذا تحرك الدولار في الاتجاه المعاكس. ولهذا يبقى الفارق بين الشراء والبيع في الصاغة، إضافة إلى المصنعية والدمغة، عنصرًا حاسمًا في حسابات من يشتري بهدف الادخار قصير الأجل، وهو ما يجعل السبائك والجنيهات الذهبية، لانخفاض مصنعيتها، أقرب إلى منطق الاستثمار من المشغولات.

السؤال المفتوح

إذا كان الذهب قد صمد أمام رفع الفائدة لأن السوق سعّره مسبقًا، فماذا سيحدث حين يأتي الرفع الثاني الذي يتوقعه أغلب أعضاء الفيدرالي، ولا يكون هذه المرة مسعّرًا بالكامل؟ وهل تكفي مشتريات البنوك المركزية والمخاوف الجيوسياسية لحماية المعدن الأصفر من موجة تشديد نقدي جديدة، أم أن المدّخر الذي يشتري اليوم عند قمة ارتداد يراهن على ما لا تضمنه الأسواق؟