منذ منتصف سبتمبر الجاري، والحكومة المصرية تعقد اجتماعات متتالية استعدادًا لتنظيم المؤتمر الاقتصادي الذي دعا إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي، والمقرر عقده خلال الشهر المقبل. فقد عقد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي اجتماعًا موسعًا مع وزير المالية أحمد كجوك، ووزير الاستثمار والتجارة الخارجية الدكتور محمد فريد صالح، ووزير التخطيط والتنمية الاقتصادية الدكتور أحمد رستم، لمناقشة محاور المؤتمر وفلسفته وأهدافه.
وبحسب ما أعلنته الحكومة رسميًا، فإن المؤتمر يستهدف أن يكون منصة وطنية تجمع مؤسسات الدولة بالخبراء والأكاديميين والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنين، لاستعراض ما تحقق خلال الفترة الماضية، ومناقشة التحديات القائمة، والخروج بتصورات للمرحلة المقبلة. والأهم أن الحكومة نفسها حددت أحد أهداف المؤتمر بأنه الرد على استفسارات وشواغل الرأي العام بشأن الملفات الاقتصادية والتنموية، وهو ما يطرح سؤالًا بديهيًا: ما هذه الاستفسارات والشواغل تحديدًا؟ فيما يلي سبعة أسئلة اقتصادية لا يزال المواطن المصري ينتظر لها إجابة واضحة وصريحة، بعيدًا عن العموميات التي اعتاد سماعها.
هل تحتاج مصر لبرنامج جديد مع صندوق النقد الدولي؟
ينتهي البرنامج الحالي لمصر مع صندوق النقد الدولي - وهو الثالث من نوعه خلال العقد الأخير - بنهاية ديسمبر 2026. وبينما أكد رئيس مجلس الوزراء أكثر من مرة أن الحكومة لا ترى حاجة للدخول في برنامج جديد مع الصندوق، وأعلن الرئيس السيسي التوجه نحو إعداد برنامج اقتصادي وطني شامل يخلف حقبة صندوق النقد، فإن هذا الطرح لا يحظى بإجماع في الأوساط الاقتصادية، إذ يرى بعض المتخصصين أن استمرار الحاجة إلى تمويل بالعملة الصعبة ومواجهة أعباء الدين قد يجعل الاستغناء الكامل عن مظلة الصندوق أمرًا أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه التصريحات الرسمية. والمواطن هنا لا يريد تصريحًا عامًا بالثقة، بل خارطة طريق واضحة: ما هو البرنامج الوطني الشامل تحديدًا؟ وما الفرق بين شروطه وشروط صندوق النقد التي اعتاد عليها المصريون طوال السنوات الماضية؟
هل خفّت فعلاً أعباء الدين على الموازنة العامة؟
تشير بيانات البنك المركزي المصري عن الوضع الخارجي للاقتصاد إلى أن الدين الخارجي لمصر بلغ نحو 161.2 مليار دولار حتى نهاية يونيو 2025، مع بقاء نحو 80% منه طويل الأجل، بينما تراجعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من نحو 96% قبل عامين إلى نحو 84% حاليًا وفق بيانات رسمية. غير أن هذا التحسن النسبي في النسب الكلية لا يجيب بمفرده عن السؤال الذي يشغل المواطن: كم يستنزف الدين وفوائده من موازنة الدولة كل عام، وكم يتبقى بالتالي للإنفاق على الصحة والتعليم والدعم؟ فالأرقام الإجمالية قد تتراجع، لكن انعكاسها المباشر على حجم الخدمات التي تصل للمواطن هو ما ينتظر توضيحًا حقيقيًا في المؤتمر.
متى يشعر المواطن بثمرة تثبيت الفائدة؟
بعد أن واصل البنك المركزي المصري تثبيت أسعار الفائدة دون تغيير منذ أبريل الماضي، عند 19% للإيداع و20% للإقراض، ووسط بيانات تُظهر تراجع معدل التضخم العام في مقابل تسارع في التضخم الأساسي، يبقى السؤال الأهم بالنسبة للمواطن بعيدًا عن التفاصيل الفنية: متى يبدأ تأثير هذا الاستقرار النقدي في الظهور على أرض الواقع، سواء في صورة قروض أرخص للمشروعات الصغيرة، أو تراجع ملموس في أسعار السلع الأساسية؟ فالبنك المركزي نفسه يتحدث عن أفق زمني يمتد حتى النصف الثاني من 2027 للوصول إلى مستهدف التضخم، وهو ما يعني عامًا كاملاً آخر من الانتظار بالنسبة لمن يتحمل فاتورة الأسعار يوميًا.
أرقام البطالة تتحسن.. فهل يشعر بها الجميع؟
تراجع معدل البطالة في مصر إلى 5.8% خلال الربع الثاني من 2026، في مؤشر تصفه الحكومة بالإيجابي ويعكس تحسنًا مستمرًا منذ سنوات. غير أن هذا الرقم الإجمالي يخفي فجوة صارخة: فمعدل البطالة بين الذكور لا يتجاوز 3.4%، بينما يقفز بين الإناث إلى 14.4%، أي أكثر من أربعة أضعاف. كما يظل معدل البطالة في المناطق الحضرية عند 8.8%، أعلى بكثير منه في الريف عند 3.5%. فالسؤال الذي يستحق إجابة واضحة في المؤتمر ليس "هل تتحسن أرقام التوظيف؟"، بل: لماذا لا تصل هذه التحسينات بالتساوي إلى النساء وسكان المدن؟ وما الخطة العملية لسد هذه الفجوة، لا مجرد الإشارة إليها؟
هل تفي الحكومة بوعد المليارات الثلاثة من الطروحات؟
تمضي الحكومة في برنامج طرح الشركات المملوكة للدولة في البورصة، ضمن خطة تستهدف حصيلة تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار بنهاية 2026، وصولاً إلى 6 مليارات دولار بنهاية العام المالي المقبل، عبر قيد 20 شركة حكومية تمهيدًا لطرحها أو نقل ملكيتها لصندوق مصر السيادي. ورغم تسجيل عدد من الشركات مؤقتًا، وتوقع طرح شركة مصر لتأمينات الحياة قبل نهاية العام، تبقى الفجوة بين الإعلانات المتكررة عن تسريع البرنامج ووتيرة التنفيذ الفعلية على الأرض سؤالًا مطروحًا: هل ستلتزم الحكومة بالجدول الزمني المعلن هذه المرة، أم يتكرر سيناريو التأجيل الذي شهدته مراحل سابقة من البرنامج؟
إلى أين يمتد مسار رفع الدعم عن الطاقة؟
كانت مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز الأعلى ارتفاعًا بين كل بنود الإنفاق خلال العام الماضي، نتيجة مباشرة لاستمرار تعديل أسعار الطاقة المدعومة. وبينما تؤكد الحكومة أن هذا المسار ضروري لتحرير موارد للإنفاق الاجتماعي والاستثماري، لا يزال المواطن ينتظر إجابة محددة بعيدًا عن العبارات العامة: كم تبقى من مراحل رفع الدعم؟ وهل هناك جدول زمني نهائي متوقع لوصول أسعار الكهرباء والغاز والوقود إلى مستوياتها المستهدفة، أم أن الأمر سيظل مرهونًا بمراجعات دورية دون أفق واضح؟
كيف تحمي مصر نفسها من تقلبات الأموال الساخنة؟
تعتمد مصر بشكل كبير على تدفقات الأموال الأجنبية إلى أدوات الدين المحلية، مثل أذون الخزانة، لتدبير احتياجاتها من العملة الصعبة. وتُظهر وثيقة خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي أقرها البرلمان أخيرًا أن استثمارات الأجانب في هذه الأدوات تراجعت إلى نحو 1.6 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025، بعد الزيادة الكبيرة التي سجلتها في العام المالي السابق له، في انعكاس مباشر لحساسية هذه الأموال لأي تقلبات إقليمية أو عالمية. والسؤال الذي يفرض نفسه: ما أدوات الحماية الفعلية التي تملكها الدولة إذا تكررت موجة خروج مفاجئة لهذه الأموال كما حدث في أزمات سابقة، وهل تكفي احتياطيات النقد الأجنبي الحالية لامتصاص مثل هذه الصدمة دون التأثير على سعر الجنيه؟
سؤال أخير يظل معلقًا
سبعة أسئلة تتقاطع جميعها عند نقطة واحدة: الفجوة بين الخطاب الرسمي المتفائل والتفاصيل اليومية التي يعيشها المواطن. وبينما يستعد المسؤولون لمنصة حوار وطني موسعة تجمع الخبراء وممثلي القطاع الخاص والمجتمع المدني، يبقى السؤال الأكبر معلقًا: هل يخرج المؤتمر الاقتصادي هذه المرة بإجابات محددة وقابلة للقياس والمتابعة، أم يكتفي بإعادة صياغة الوعود ذاتها التي سبق للمصريين سماعها في مناسبات اقتصادية سابقة، لتبقى الأسئلة السبعة قائمة كما هي بعد انتهاء فعاليات المؤتمر؟
