في وقت تتحرك فيه الدولة على أكثر من مسار لجذب الاستثمارات وتعزيز القطاعات الإنتاجية والتكنولوجية، جاءت تحركات الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال الأيام الأخيرة لتسلط الضوء على ملفين مختلفين في طبيعة النشاط، لكنهما يلتقيان عند هدف واحد، وهو توسيع فرص الاستثمار وفتح مجالات جديدة للنمو.
ففي قطاع التعدين، شهدت العاصمة الجديدة انطلاق فعاليات النسخة الخامسة من منتدى مصر للتعدين، بمشاركة حكومية ودولية واسعة، بينما جاء لقاء الرئيس السيسي مع الرئيسة التنفيذية لمجموعة «أورنج» العالمية ليضع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي في دائرة الاهتمام الاستثماري، بما يشمل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني وتدريب الشباب.
منتدى مصر للتعدين.. الاستثمار لا يتوقف عند استخراج الخامات
افتتاح منتدى مصر للتعدين في نسخته الخامسة يأتي في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تطوير القطاع وتحويل الفرص التعدينية إلى مشروعات قادرة على جذب الاستثمارات وتعظيم القيمة الاقتصادية للثروات المعدنية.
ووفقًا لوزارة البترول والثروة المعدنية، يستهدف المنتدى الترويج للإمكانات التعدينية التي تمتلكها مصر والدرع العربي النوبي، إلى جانب استعراض الفرص الاستثمارية أمام الشركات المصرية والعربية والعالمية.
وتتجاوز الرؤية المطروحة فكرة البحث عن المعادن واستخراجها فقط، إذ تركز الإصلاحات التي أعلنت عنها الوزارة على تشجيع إقامة صناعات تحويلية تعظم القيمة المضافة للخامات، بما يرتبط بزيادة الإنتاج ودعم فرص العمل والصادرات.
وشهد المنتدى مشاركة عدد من كبار مسؤولي شركات ومنظمات التعدين العالمية، من بينهم الرئيس التنفيذي لشركة «أنجلو جولد أشانتي»، إلى جانب ممثلين عن المجلس الدولي للتعدين والمعادن ومجموعة أستراليا وأفريقيا للمعادن والطاقة والبنك الدولي، بما يعكس اتساع دائرة الأطراف المشاركة في مناقشة فرص القطاع.
كما يتضمن المنتدى الإعلان عن نتائج طرح فرص استثمارية للبحث والاستكشاف عن الذهب والفوسفات والتلك والكاولين بنظام القطاعات المفتوحة، وهو ما يفتح مسارًا جديدًا أمام المستثمرين الراغبين في الدخول إلى أنشطة الاستكشاف والإنتاج التعدينية.
«أورنج» والاقتصاد الرقمي.. استثمارات مرتبطة بالتكنولوجيا
على الجانب الآخر، جاء لقاء الرئيس السيسي مع الرئيسة التنفيذية لمجموعة «أورنج» العالمية، كريستل هايدمان، ليفتح ملفًا مختلفًا يتعلق بزيادة الاستثمارات في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي.
الرئيس أكد خلال اللقاء تطلع مصر إلى زيادة استثمارات «أورنج» في السوق المصرية، مع بحث فرص التعاون في مجالات البنية التحتية الرقمية والحوسبة السحابية والأمن السيبراني وتكامل الأنظمة، إلى جانب إمكانية التعاون في تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع الصحة الرقمية الوطني.
ولم يتوقف النقاش عند الاستثمارات المباشرة في قطاع الاتصالات، إذ ارتبط كذلك بتأهيل الشباب للوظائف المستقبلية، من خلال التدريب في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني.
وبحسب رئاسة الجمهورية، أعلنت «أورنج» تقديم منح تدريبية لنحو 200 ألف متدرب في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، إلى جانب تخصيص 25 مليون يورو لدعم الشركات الناشئة العاملة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المتقدمة، ودعم عدد من الجامعات المصرية بمعامل تكنولوجية حديثة.
التعدين والتكنولوجيا.. قطاعان مختلفان ورسالة استثمارية واحدة
ورغم اختلاف طبيعة التعدين عن الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فإن التحركات الأخيرة تطرح قاسمًا مشتركًا بين القطاعين، يتمثل في محاولة الانتقال من استغلال الإمكانات المتاحة إلى بناء منظومة استثمارية أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا والقيمة المضافة.
ففي التعدين، لا تقتصر الرؤية على استخراج الذهب أو الفوسفات أو غيرهما من الخامات، وإنما تمتد إلى التصنيع وتعظيم القيمة المضافة وبناء سلاسل مرتبطة بالنشاط التعديني.
وفي الاقتصاد الرقمي، لا يقتصر الأمر على خدمات الاتصالات التقليدية، وإنما يمتد إلى الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني ومراكز البيانات والتطبيقات الرقمية، وهي مجالات تستهدف الدولة توسيع الاستثمار فيها.
وكان الرئيس السيسي قد وجه في اجتماع سابق مع وزير الاتصالات بتوسيع توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، بالتوازي مع التوسع في مراكز البيانات وشبكات الجيل الخامس، وتعزيز فرص التحول الرقمي، بما يدعم توجه مصر نحو ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي ودولي لمراكز البيانات.
من جذب المستثمر إلى بناء فرص جديدة
وتكشف هذه التحركات عن اتجاهين متوازيين في التعامل مع ملف الاستثمار؛ الأول يرتبط بفتح مجالات جديدة أمام الشركات العالمية في قطاعات تمتلك مصر فيها موارد أو إمكانات قابلة للتوسع، والثاني يرتبط بتهيئة البنية التحتية والكوادر اللازمة لاستدامة هذه الاستثمارات.
وفي التعدين، يظهر ذلك من خلال طرح مناطق للاستكشاف والتأكيد على الصناعات التحويلية، بينما يظهر في التكنولوجيا من خلال دعم الشركات الناشئة والتدريب وبناء القدرات وتطوير البنية التحتية الرقمية.
وهنا يصبح السؤال الأهم ليس فقط عن حجم الاستثمارات التي يمكن جذبها، وإنما عن مدى قدرة هذه الاستثمارات على خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد المصري، سواء من خلال التصنيع، أو نقل التكنولوجيا، أو توفير فرص عمل جديدة، أو دعم الشركات المحلية، أو زيادة الصادرات.
هل تتحول الرسائل إلى استثمارات على الأرض؟
التحركات واللقاءات الأخيرة تضع التعدين والاقتصاد الرقمي ضمن قطاعات تتجه الدولة إلى توسيع فرص الاستثمار فيها، لكن تحويل هذه الرسائل إلى نتائج اقتصادية ملموسة يرتبط بما سيحدث بعد الإعلان عن الفرص والشراكات.
فنجاح منتدى التعدين لا يقاس فقط بحجم المشاركة الدولية، وإنما بما يمكن أن ينتج عنه من عمليات استكشاف ومشروعات جديدة وصناعات مرتبطة بالخامات المعدنية.
وبالمثل، فإن زيادة التعاون مع شركات التكنولوجيا العالمية لا تتوقف عند التدريب أو الإعلان عن استثمارات جديدة، وإنما تمتد إلى قدرة السوق المصرية على استيعاب مشروعات التكنولوجيا المتقدمة، وتوفير الكفاءات، ودعم الشركات الناشئة، وزيادة صادرات الخدمات الرقمية.
وبين مناجم الذهب ومراكز البيانات، تبدو الرسالة الاستثمارية واحدة في جوهرها: البحث عن قطاعات جديدة يمكنها جذب رؤوس الأموال، مع زيادة القيمة التي يحققها الاقتصاد من الموارد الطبيعية والبشرية والتكنولوجية.
