مع كل مطلع شهر جديد، يعود سؤال واحد إلى الواجهة في البيوت المصرية: هل تتحرك الأسعار؟ وفي أكتوبر تتقاطع ثلاثة ملفات لا يستغني عنها بيت: الوقود الذي يحرك النقل والسلع، والخبز الذي يقوم عليه الطبق اليومي، والدواء الذي لا يحتمل التأجيل. ولكل ملف منها قصته وآليته وموقفه الحالي، وبينها جميعًا خيط واحد يجمعها هو التسعير الذي تحدده الدولة، ما يجعل أي قرار فيها محل ترقب واسع.

البنزين.. اجتماع مرتقب وقرار لم يصدر

آخر تحريك لأسعار الوقود جرى في العاشر من مارس 2026، حين رفعت الحكومة أسعار البنزين والسولار والغاز بنسب تراوحت بين 14 و30%، وارتفع بموجبه سعر لتر بنزين 95 من 21 إلى 24 جنيهًا، في ظل اضطرابات شهدتها أسواق الطاقة العالمية. وجاء ذلك القرار استثنائيًا، بعد قرار لجنة التسعير التلقائي في أكتوبر 2025 الذي تضمن تثبيت الأسعار لمدة عام.

واليوم تتجه الأنظار إلى اجتماع اللجنة المنتظر خلال الأسبوع الأول من أكتوبر، بعد عودتها للانعقاد الدوري كل ثلاثة أشهر وفق ما أعلنه رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي. وكان المهندس أسامة كمال، رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ، قد أشار إلى أن التعاقدات الخاصة بالمواد البترولية مستمرة حتى 30 سبتمبر، وأن موقف الأسعار سيتحدد بعد اجتماع اللجنة إذا انعقد بالفعل.

وحتى الرابع والعشرين من سبتمبر، أكدت وزارة البترول والثروة المعدنية أن لجنة التسعير لم تنعقد ولم تصدر أي قرارات جديدة، ونفت صحة قوائم أسعار جديدة جرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي. وتوضح آلية اللجنة أن قرارها يبنى على متوسط تكلفة توفير المنتجات البترولية، وليس على حركة خام برنت في يوم واحد.

وفي قراءته للمشهد، يرى أستاذ هندسة البترول والطاقة الدكتور جمال القليوبي أن الاتجاه الأقرب في المراجعة المقبلة هو التثبيت، ما لم تنخفض التكلفة بصورة مستدامة، مشيرًا إلى أن التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين قد يقلصان فرص أي خفض.

الخبز.. السعر ثابت والنقاش حول آلية الدعم

على صعيد الخبز، يبقى الرغيف المدعم بسعر 20 قرشًا للمواطن المقيد على البطاقة التموينية، بواقع خمسة أرغفة يوميًا للفرد. وأكدت وزارة التموين والتجارة الداخلية أن السعر لم يتغير، وأن الدولة تتحمل فارق تكلفة الإنتاج، بما في ذلك الزيادة الناتجة عن ارتفاع أسعار الوقود بالنسبة للمخابز التي تعمل بالسولار. وتشير التقديرات المنشورة إلى أن التكلفة الفعلية للرغيف تقارب 150 قرشًا.

غير أن جوهر النقاش الحالي ليس في السعر، بل في الآلية. فمنظومة الدعم النقدي، التي يجري الحديث عن البدء في تطبيقها عام 2027، تقوم على إيداع قيمة الدعم في محفظة إلكترونية مرتبطة ببطاقة التموين، بما يتيح للمواطن شراء الخبز أو سلع غذائية أخرى وفق احتياجات أسرته. وبحسب رئيس شعبة المخابز بالقاهرة خالد فكري، وجّه وزير التموين ببدء التحول اعتبارًا من الأول من يناير 2027، فيما لم يصدر قرار وزاري نهائي بالتفاصيل التنفيذية حتى الآن، ويستمر صرف الرغيف بسعره الحالي إلى حين صدور القرارات الرسمية.

أما الخبز السياحي الحر، فتخضع أسعاره وأوزانه لحدود قصوى حددها التوجيه الوزاري رقم 5 لسنة 2026، مع إلزام المخابز بالإعلان عنها في أماكن واضحة.

الدواء.. معادلة جديدة بدل الزيادات المفاجئة

في ملف الدواء، اعتمدت هيئة الدواء المصرية آلية جديدة لتسعير المستحضرات الدوائية، تربط الزيادة أو الخفض بثلاثة مؤشرات اقتصادية هي سعر الصرف والتضخم وأسعار الفائدة. ووفق القرار، لا تُرفع الأسعار إلا إذا أظهرت المعادلة زيادة لا تقل عن 10%، مع استمرار المتغيرات المؤثرة 45 يومًا على الأقل، وفي المقابل يمكن خفض الأسعار إذا بلغ الانخفاض 10% على الأقل واستمرت المتغيرات للمدة نفسها. وفي حالة الزيادة تتم بناءً على طلب صاحب تسجيل المستحضر، أما الخفض فتجريه الهيئة لكل المستحضرات المتداولة دون اشتراط طلب.

ويرى مؤيدو الآلية أنها تتيح التعامل مع تغيرات الأسعار تدريجيًا بدلًا من زيادات كبيرة دفعة واحدة عند أي قفزة مفاجئة في سعر الدولار. في المقابل، حذر منتقدون من أن مراجعة أسعار نحو 16 ألف صنف كل ستة أشهر قد تعني زيادات متكررة خلال العام الواحد، واعتبروا القرار خطوة نحو تحرير سعر الدواء. لكن رئيس شعبة الأدوية بالاتحاد العام للغرف التجارية علي عوف شدد على أن الدواء يمثل أمنًا قوميًا، وأن التسعير الجبري سيستمر دون اتجاه إلى تحرير الأسعار.

ويعيد ذلك إلى الأذهان ما نقله عوف في يناير الماضي عن رئيس هيئة الدواء بأن عام 2026 لن يشهد زيادات جديدة ما دام سعر الصرف مستقرًا، وهو ما يوضح أن اتجاه الأسعار في هذا الملف ظل مرهونًا بحركة العملة. وتضم السوق المصرية أكثر من 17 ألف دواء مسجل بحسب تقديرات نقابة صيادلة القاهرة، فيما تتكرر شكاوى المرضى من نقص بعض الأصناف، وهو ما دفع الهيئة إلى تخصيص خط ساخن لتلقي الشكاوى.

ما الذي يجمع الملفات الثلاثة؟

تشترك الملفات الثلاثة في أنها سلع مسعّرة جبريًا، أي أن السعر فيها قرار إداري لا يخضع كليًا لحركة السوق. غير أن الترابط بينها يتجاوز ذلك، فتحريك الوقود ينعكس على تكلفة نقل الغذاء والدواء وعلى تشغيل المخابز، وسعر الصرف يمس تكلفة استيراد مستلزمات إنتاج الدواء. وهنا تتحول قرارات تبدو منفصلة في جدول اللجان إلى سلسلة واحدة في ميزانية الأسرة.

وبين الصورة الرسمية التي تؤكد ثبات سعر الخبز وتنفي قوائم الوقود المتداولة، وترقب اجتماع لم ينعقد بعد وآلية دوائية لم تُختبر، يبقى المواطن أمام مشهد تتباين فيه درجات اليقين من ملف إلى آخر.

سؤال مفتوح

في الأيام الأولى من أكتوبر تبدو الإجابة عن سؤال «هل ترتفع الأسعار؟» مؤجلة إلى ما ستعلنه الجهات المختصة، لكن السؤال الأهم قد يكون أبعد من ذلك: هل تنجح الدولة في الموازنة بين كلفة الدعم وقدرة الأسر على الاحتمال، وأن تصل قراراتها إلى المواطن بوضوح يسبق الشائعة لا يليها؟