عندما تتحول مخزونات الطوارئ من ضمانة للأمن الطاقي إلى ورقة ضغط سياسي، يصبح السؤال الحقيقي: من يدفع الثمن حين تشتد المنافسة على برميل الديزل؟ هذا ما يطرحه التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وأوروبا، وهو تصعيد لا يبقى حبيس عواصم الغرب، بل تصل ارتداداته إلى محطات الوقود في مصر وإلى أسعار السلع على موائد المصريين.
ما الذي حدث؟
بحسب تقارير صحفية دولية نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة، طلبت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من ألمانيا وفرنسا السحب من مخزونات الديزل الطارئة للمساعدة في تهدئة أسعار الوقود عالمياً، وإلا واجهتا احتمال فرض حظر أمريكي على تصدير الديزل.
وذكر مصدر في إحدى العواصم الأوروبية أن واشنطن طلبت من الاتحاد الأوروبي الإفراج عن 120 مليون برميل من الديزل خلال ستة أشهر. وفي المقابل، عُقدت مشاورات بين المفوضية الأوروبية وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وأيرلندا وبريطانيا لبحث ما إذا كان ينبغي الإفراج عن هذه المخزونات.
ولم يصدر حتى الآن قرار أوروبي معلن بالقبول أو الرفض، فيما قال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت إن إعلانات عن إمدادات ديزل جديدة من الأصدقاء الأوروبيين ستظهر قريباً.
لماذا الآن؟ الانتخابات والأسعار القياسية
الضغط الأمريكي لا ينفصل عن حسابات الداخل، إذ تدرس إدارة ترامب حظر تصدير الديزل لخفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل. وكان سعر الديزل في الولايات المتحدة قد سجل مستوى قياسياً بلغ 6.5276 دولار للجالون في 22 سبتمبر.
وتشعر واشنطن بإحباط من أن فرنسا وألمانيا، اللتين تحتفظان بحصة معتبرة من مخزونات الطوارئ الأوروبية، لم تنفذا بالكامل تعهدات سابقة بسحب جزء من احتياطياتهما في إطار تنسيق دولي أعقب اندلاع الحرب على إيران.
أوروبا بين المطرقة والسندان
تجد أوروبا نفسها أمام معادلة معقدة. فقد باتت أكثر اعتماداً على الوقود الأمريكي بعد حظر الواردات الروسية، وبعدما عطلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إمدادات الشرق الأوسط. وبين الاحتفاظ بالمخزونات لحماية أمنها الطاقي والاستجابة لضغط قد يحرمها من مصدر إمداد رئيسي، تضيق هوامش القرار.
ويحذر محللون من أن الحظر الأمريكي قد يرتد سلباً، فهو قد يخفض أسعار الديزل داخل الولايات المتحدة، لكنه يرفع أسعار البنزين ويزيد تضييق السوق العالمي، وهو ما أقر ترامب نفسه بأن له تأثيراً سلبياً محتملاً على البنزين.
مصر في قلب العاصفة: خمس قنوات للتأثير
أولاً: فاتورة الاستيراد. تستورد مصر حصة كبيرة من احتياجاتها من الطاقة، وتؤثر تقلبات أسعار الوقود العالمية مباشرة في التضخم وتكلفة الدعم والمالية العامة. والسولار هو الوقود الأوسع استخداماً في النقل والزراعة والصناعة، ما يعني أن ارتفاع تكلفته ينعكس على أسعار الغذاء والنقل بصورة أوسع من البنزين.
ثانياً: آلية التسعير. تربط آلية تسعير الوقود في مصر الأسعار المحلية بأسعار النفط العالمية وتكلفة الإنتاج وسعر صرف الدولار مقابل الجنيه. وأي صعود في أسعار الديزل عالمياً، مقترناً بضغط على العملة المحلية، يوسع الفجوة بين سعر البيع والتكلفة.
ثالثاً: توقيت حساس. رفعت الحكومة سعر لتر السولار في العاشر من مارس الماضي من 17.5 إلى 20.5 جنيه، وهو السعر الساري حتى الآن. وتتحدث تقارير عن أن لجنة التسعير التلقائي أقرت في أكتوبر 2025 فترة تثبيت للأسعار تمتد عاماً حتى أكتوبر 2026. وفي الوقت ذاته، أوضحت وزارة البترول في بيان رسمي أن اللجنة لم تنعقد بعد وأنه لم تصدر أي قرارات بتعديل الأسعار. ويعني ذلك أن الأزمة العالمية تتقاطع مع نهاية فترة التثبيت المعلنة.
رابعاً: سيناريو التهدئة. إذا أفرجت أوروبا عن جزء من مخزوناتها، فقد يخف الضغط على الأسعار العالمية، وهو ما يصب في مصلحة الدول المستوردة ومنها مصر.
خامساً: سيناريو التصعيد. إذا طُبق حظر أمريكي على التصدير، فمن المرجح أن تتنافس الدول الأوروبية مع غيرها على شحنات الشرق الأوسط وبقية الموردين، ما قد يرفع الأسعار على المشترين الأصغر ويضغط على فاتورة الاستيراد المصرية.
ما الذي ينبغي مراقبته؟
نتيجة المشاورات الأوروبية وأي رد رسمي من باريس وبرلين.
القرار النهائي للإدارة الأمريكية بشأن حظر التصدير.
موعد انعقاد لجنة التسعير التلقائي في مصر، وما إذا كانت الأزمة ستنعكس على قراراتها.
أي إعلان حكومي عن تأمين احتياجات البلاد من السولار حتى نهاية العام.
سؤال مفتوح
إذا كانت أكبر اقتصادات العالم تتبادل التلويح بالحظر والمخزونات في سباق على برميل الديزل، فهل تملك مصر، وهي من الدول المستوردة، هامش مناورة كافياً يحميها من صدمة الأسعار، أم أن قرار تثبيت الأسعار الذي يوشك أن ينتهي سيكون أول ضحايا هذه الحرب؟
