في ممر مائي ضيق يعبر منه نحو خُمس تدفقات النفط والغاز المسال في العالم، تُدار اليوم معركة لا تقتصر على السفن والناقلات، بل تمتد إلى فاتورة الوقود في أوروبا وإلى حسابات الحكومات في الدول المستوردة للطاقة، ومنها مصر. فبعد أيام من عرض إيراني بإعادة فتح مضيق هرمز، جاء الرفض الأمريكي ليؤجل الانفراجة التي كانت الأسواق تراهن عليها، ويعيد السؤال الذي يشغل المواطن قبل المحلل: إلى أي مدى يمكن أن يصل أثر هذا التعثر إلى محطة الوقود في مصر؟

رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، السبت 26 سبتمبر، مقترحًا إيرانيًا لإعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام، مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، وإعفاء مبيعات النفط الإيراني من العقوبات، والالتزام بوقف إطلاق نار يشمل لبنان. وقال ترامب للصحفيين إنه يرغب في اتفاق، لكن هذه الصفقة "غير مقبولة"، معتبرًا أن إيران تسعى لفتح المضيق فورًا لأنها "تخسر بشدة". وبعد الرفض، أفادت شبكة "سي بي إس نيوز" بأن طهران تمسكت يوم الأحد بشروطها، وأن ترامب يتوقع استئناف المحادثات خلال الأسبوع الجاري، ما يعني أن باب التفاوض لم يُغلق رغم تصاعد النبرة.

مضيق مغلق وحرب في شهرها الثامن

أغلقت إيران المضيق فعليًا بعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي عليها في أواخر فبراير، وتراجعت حركة السفن بشدة بسبب التهديدات والهجمات على السفن، بينما تفرض واشنطن حصارًا اقتصاديًا على طهران بهدف دفعها إلى رفع قيودها على الملاحة، رغم تأكيد ترامب أن بلاده تسيطر على الممر. ولم تكن هذه المحاولة الأولى لإنهاء الأزمة: ففي أبريل تحدثت وكالة "أسوشيتد برس" عن مسودة مقترح مصري باكستاني تركي لوقف إطلاق النار 45 يومًا وإعادة فتح المضيق، رفضتها طهران ولم يرَ ترامب أنها كافية.

 

وفي يونيو، توصلت واشنطن وطهران إلى مذكرة تفاهم منحت إيران تخفيفًا من الضغوط الأمريكية مقابل تعهدها بعدم السعي لسلاح نووي وإعادة فتح المضيق، لكنها انهارت بسبب غموض الصياغة، ومنه من يملك السيطرة على الممر، واستؤنفت الضربات بعدها.

وبحسب "إن بي آر"، فإن المقترح الإيراني الأخير يشبه تلك المذكرة، وتبقى السيطرة على المضيق أصعب نقاط الخلاف، وهو ما يفسر لماذا يتكرر السيناريو نفسه كلما اقترب الطرفان من اتفاق ثم تراجعا.

من النفط إلى الديزل.. أزمة أوسع من الخام

تتحرك أسعار النفط منذ اندلاع الأزمة بحسب كل تصريح أو رفض أو تهديد، لكن الضغط الأكبر ينتقل اليوم إلى المشتقات، وفي مقدمتها الديزل، وقود النقل والزراعة والصناعة. ففي أوروبا، بلغ متوسط سعر الديزل في دول الاتحاد الأوروبي مستوى قياسيًا عند 2.23 يورو للتر، بحسب تحليل لوكالة "فرانس برس" لبيانات المفوضية الأوروبية، وكانت الولايات المتحدة مصدر نحو نصف واردات التكتل من الديزل في أغسطس. وتزداد الصورة تعقيدًا لأن روسيا، ثاني أكبر مصدّر للديزل في العالم، حظرت صادراتها منه في يوليو حتى نهاية سبتمبر، بحسب رويترز، بينما تبحث إدارة ترامب فرض قيود على صادرات الديزل الأمريكي مع ارتفاع الأسعار داخليًا قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. وقال ترامب إن الإدارة تدرس الخطوة،

 

وأضاف وزير الخزانة سكوت بيسنت أن الجدوى قيد البحث، ونقلت "بوليتيكو" أن واشنطن تعد حظرًا لمدة 90 يومًا، لكن وزير الطاقة كريس رايت نفى ذلك. وقالت المفوضية الأوروبية إن اتصالات رفيعة المستوى جارية مع الإدارة الأمريكية لأن الخطوة قد تضر الجانبين، وحذر محللون نقلت عنهم رويترز من أن حظرًا ولو جزئيًا قد يؤدي إلى نقص في المعروض بأوروبا ومناطق أخرى، وأن المصافي الأمريكية قد تخفض إنتاجها فترتفع أسعار البنزين.

الزاوية المصرية: لجنة التسعير على الخط

في مصر، تستقر أسعار الوقود حاليًا دون قرار جديد، إذ يبلغ سعر لتر بنزين 95 نحو 24 جنيهًا، وبنزين 92 نحو 22.25 جنيه، وبنزين 80 نحو 20.75 جنيه، والسولار 20.50 جنيه. 

وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أعلن في بداية يوليو عودة لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية للانعقاد بدءًا من الربع الأول من العام المالي 2026-2027، موضحًا أن قراراتها تستند إلى متوسطات أسعار النفط العالمية وليس الأسعار اللحظية، وأن الحكومة حريصة على عدم تحميل المواطنين أعباء إضافية. 

وأكدت وزارة البترول أن اللجنة لم تنعقد بعد ولم تصدر عنها قرارات جديدة، وأن قوائم الأسعار المتداولة على مواقع التواصل غير صحيحة، ما يجعل مصير الأسعار معلقًا بانتظار اجتماعها، وبمتغيرات أبرزها أسعار الطاقة عالميًا وسعر صرف الدولار وتكلفة توفير المنتجات البترولية.

وفي تقدير تحليلي لا يمثل موقفًا رسميًا، فإن استمرار تعثر المفاوضات حول هرمز يضع اللجنة أمام ثلاثة مسارات محتملة: الإبقاء على الأسعار إذا هدأت الأسواق مع عودة المحادثات، أو إجراء زيادة مدروسة إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة وتفاقمت تكلفة الديزل والمشتقات، أو تأجيل القرار إلى اجتماع لاحق لحين اتضاح الصورة.

وفي الحالات الثلاث يظل السولار الأكثر حساسية، لأنه وقود النقل والأنشطة الإنتاجية وأي تحرك في سعره ينعكس على تكلفة السلع والخدمات، بينما يتوقف حجم الأثر الفعلي على قرارات لجنة التسعير وعلى بيانات التكلفة والدعم التي لم تُعلن بعد.