في ظل اهتمام عالمي وأمريكي.. الانتخابات الرئاسية البرازيلية بين إرادة الشعب ومصالح ترامب

تتجه أنظار العالم إلى البرازيل مع انطلاق الانتخابات الرئاسية لعام 2026، في استحقاق انتخابي يتجاوز حدود المنافسة الداخلية، ليحمل أبعادًا إقليمية ودولية تتصل بموقع أكبر دول أمريكا اللاتينية في النظام العالمي، وعلاقاتها بالولايات المتحدة والصين ودول مجموعة «بريكس».

الانتخابات في البرازيل

وتأتي الانتخابات في أجواء سياسية شديدة الاستقطاب، بينما تتركز المنافسة الرئيسية بين الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الساعي إلى ولاية رئاسية جديدة، والسيناتور فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو والحليف السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ووفق تقارير حديثة، يتجه السباق إلى جولة إعادة في 25 أكتوبر/تشرين الأول ما لم يحصل أحد المرشحين على أكثر من 50% من الأصوات. 

انتخابات داخلية بأبعاد دولية

رغم أن الاقتصاد والأمن والبرامج الاجتماعية تحتل موقعًا رئيسيًا في اهتمامات الناخب البرازيلي، فإن السياسة الخارجية تحولت إلى أحد محاور المعركة الانتخابية، خصوصًا في ظل التباين الواضح بين رؤية لولا للعلاقات الدولية ورؤية فلافيو بولسونارو.

ويطرح لولا تصورًا يقوم على تعزيز علاقات البرازيل مع دول الجنوب العالمي، ودعم مجموعة «بريكس»، وتوسيع العلاقات الاقتصادية مع الصين، إلى جانب الحفاظ على دور البرازيل المستقل في القضايا الدولية. وفي المقابل، يتبنى فلافيو بولسونارو توجهًا أكثر قربًا من الولايات المتحدة، ويدعو إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية معها، مع مواقف أكثر تحفظًا تجاه «بريكس». 

هذا التباين جعل الانتخابات البرازيلية محل اهتمام مباشر في واشنطن، خصوصًا أن نتيجة التصويت قد تؤثر في شكل العلاقات الأمريكية البرازيلية خلال السنوات المقبلة.

ترامب في قلب المشهد البرازيلي

لم يقتصر الاهتمام الأمريكي بالانتخابات على المتابعة الدبلوماسية، إذ شهدت الأشهر الماضية سلسلة من التوترات بين إدارة ترامب وحكومة لولا.

وكان ترامب قد التقى فلافيو بولسونارو في مايو/أيار الماضي، في خطوة عكست التقارب السياسي بين الجانبين، بينما انتقد لولا تدخل الرئيس الأمريكي في الشأن الانتخابي البرازيلي، مطالبًا ترامب بالبقاء خارج الانتخابات. 

وتزداد حساسية هذا الملف في ظل استمرار تداعيات قضية الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي أُدين في البرازيل على خلفية محاولة قلب نتائج انتخابات 2022، بينما تتبنى إدارة ترامب موقفًا منتقدًا للإجراءات القضائية البرازيلية في القضية. 

وبذلك أصبح الخلاف حول مستقبل بولسونارو جزءًا من علاقة أوسع بين واشنطن وبرازيليا، تتداخل فيها الحسابات السياسية والاقتصادية والقضائية.

التعريفات الجمركية.. ورقة اقتصادية ذات تأثير سياسي

أحد أبرز مظاهر التوتر بين البلدين كان الملف التجاري.

ففي يوليو/تموز 2026، أعلنت الممثلية التجارية الأمريكية فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 25% على بعض السلع البرازيلية، بعد تحقيق أمريكي بموجب المادة 301 من قانون التجارة الأمريكي، شمل قضايا تتعلق بالتجارة الرقمية، والرسوم التفضيلية، وحقوق الملكية الفكرية، وسوق الإيثانول، وغيرها. 

وتحمل هذه الخطوة أبعادًا اقتصادية مباشرة، لكنها اكتسبت أيضًا بعدًا سياسيًا في خضم الانتخابات، إذ رأى لولا أن الضغوط الأمريكية على البرازيل يمكن أن ترتبط بالمعركة الانتخابية الداخلية، بينما ينظر معسكر بولسونارو إلى تعزيز العلاقات مع واشنطن باعتباره عنصرًا أساسيًا في سياسته الخارجية والاقتصادية.

ومن هنا، أصبحت التجارة واحدة من الأدوات التي يمكن أن تؤثر في الخطاب الانتخابي، دون أن يعني ذلك أن العامل الأمريكي وحده يحسم توجهات الناخبين البرازيليين.

صراع على هوية البرازيل الدولية

الانتخابات الحالية لا تدور فقط حول اسم الرئيس القادم، وإنما حول سؤال أوسع: أي موقع تريد البرازيل أن تحتله في العالم؟

فالبرازيل قوة اقتصادية ودبلوماسية رئيسية في أمريكا اللاتينية، وعضو مؤسس في «بريكس»، كما أنها لاعب مهم في أسواق الغذاء والطاقة والموارد الطبيعية والمعادن الحيوية.

وفي حين يرى لولا أن تنويع الشراكات الدولية يمنح البرازيل مساحة أكبر من الاستقلال الاستراتيجي، يطرح فلافيو بولسونارو توجهًا أكثر قربًا من الولايات المتحدة، بما في ذلك إعادة صياغة عدد من أولويات السياسة الخارجية البرازيلية. وتظهر هذه الخلافات بوضوح في مواقف المرشحين بشأن الولايات المتحدة والصين و«بريكس» وميركوسور والتعاون الأمني الدولي. 

إرادة الناخب في مواجهة الضغوط الخارجية

ورغم الحضور الأمريكي القوي في المشهد، تبقى الانتخابات في النهاية عملية سياسية داخلية يحدد فيها ملايين البرازيليين أولوياتهم على أساس قضايا تمس حياتهم اليومية.

وتشير التقارير الأخيرة إلى أن الناخبين يناقشون إلى جانب السياسة الخارجية ملفات مثل التضخم، والديون الأسرية، والجريمة، والبرامج الاجتماعية، والاقتصاد، فضلًا عن ملفات الفساد والاستقطاب السياسي. 

ويحقن هذا الواقع الانتخابات بقدر كبير من التعقيد؛ فبينما يحاول كل معسكر تقديم رؤيته لمستقبل البلاد، تظل قدرة المرشحين على مخاطبة القضايا الداخلية عاملًا أساسيًا في تشكيل اتجاهات التصويت.

هل تتحول البرازيل إلى ساحة نفوذ أمريكية؟

السؤال الأكثر إثارة للجدل في هذه الانتخابات هو مدى قدرة الولايات المتحدة على التأثير في خيارات الناخب البرازيلي.

وقد تصاعد هذا الجدل بعدما أفادت تقارير بأن مسؤولين أمريكيين كانوا يعتزمون زيارة برازيليا قبل الانتخابات في إطار تحركات مرتبطة بنظام التصويت الإلكتروني البرازيلي، وهو ما رفضته السلطات البرازيلية ومنعت دخول مسؤولين أمريكيين إلى البلاد. وفي المقابل، أكدت بعثات مراقبة انتخابية دولية عبر السنوات أن النظام الانتخابي الإلكتروني البرازيلي يتمتع بدرجة عالية من الموثوقية. 

وتكشف هذه التطورات أن المعركة لا تتعلق فقط بمن سيحكم البرازيل، وإنما أيضًا بمدى قدرة المؤسسات البرازيلية على الحفاظ على استقلال العملية الانتخابية وسط ضغوط وصراعات سياسية دولية.

البرازيل بين واشنطن وبكين

وتكتسب الانتخابات أهمية إضافية بالنسبة للولايات المتحدة بسبب تنامي العلاقات البرازيلية الصينية.

فالصين تعد شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا للبرازيل، بينما تنظر واشنطن إلى أمريكا اللاتينية باعتبارها مجالًا مهمًا للمنافسة الاقتصادية والاستراتيجية مع بكين.

ومن ثم، فإن توجه البرازيل خلال المرحلة المقبلة بشأن «بريكس»، والعلاقات مع الصين، والتجارة الدولية، والمعادن الحيوية، والطاقة، قد يحدد جزءًا من طبيعة المنافسة الأمريكية الصينية في نصف الكرة الغربي.

وهنا تبرز خصوصية البرازيل: فهي ليست دولة صغيرة يمكن أن تتأثر بسهولة بضغوط قوة خارجية، وإنما دولة ذات وزن سكاني واقتصادي وسياسي يجعل خياراتها الخارجية ذات تأثير يتجاوز حدودها.

الجدير بالذكر، تدخل البرازيل انتخابات 2026 وسط مشهد سياسي شديد الاستقطاب، تتقاطع فيه القضايا الداخلية مع حسابات إقليمية ودولية أوسع. وبينما يمثل الصراع بين لولا وفلافيو بولسونارو مواجهة على مستقبل الحكم، فإنه يعكس أيضًا خلافًا بشأن اتجاه البرازيل في العالم: هل تستمر في سياسة متعددة الشراكات تعطي مساحة أكبر لـ«بريكس» والصين والجنوب العالمي، أم تتجه نحو علاقة أكثر قربًا من الولايات المتحدة؟

لكن، في نهاية المطاف، يظل العامل الحاسم داخل صناديق الاقتراع هو الناخب البرازيلي، الذي يصوت على قضايا تتجاوز الحسابات الجيوسياسية لتشمل الاقتصاد والأمن والعدالة الاجتماعية ومستقبل الديمقراطية.

وفي وقت تحاول فيه القوى الكبرى توسيع نفوذها في أمريكا اللاتينية، تبدو الانتخابات البرازيلية اختبارًا مزدوجًا: اختبار لإرادة الشعب في تحديد مسار بلاده، واختبار لقدرة البرازيل على الحفاظ على استقلال قرارها السياسي والخارجي وسط تنافس دولي متزايد.