فى ظهر السادس من أكتوبر 1973، وبينما كانت أنظار المصريين وقلوبهم معلّقة بما يجرى على الجبهة، كان هناك جيش آخر يعمل فى القاهرة بعيدًا عن خطوط النار. لم يحمل بندقية ولا مدفعًا، وإنما حمل الكلمة واللحن والصوت، وتحرك داخل استوديوهات الإذاعة المصرية ليصنع للأيام التاريخية أغنياتها، وللنصر ذاكرته، وللجنود سندًا معنويًا يصل إليهم عبر المذياع.
لقد كانت حرب أكتوبر المجيدة معركة لتحرير الأرض، خاضها جيش مصر العظيم بالسلاح والإرادة والتخطيط والتضحية، لكنها لم تدُر على الجبهة وحدها. فخلف كل خطوة على الأرض كانت هناك معركة أخرى تُخاض بالمشاعر والوجدان، ساحتها الأثير، وأبطالها شعراء وملحنون ومطربون، ورسالتها أن الجندى ليس وحده، وأن مصر كلها تقف خلفه.
لم تكن الأغنية المصرية يومها مجرد عمل فنى، بل كانت رسالة وتحية للجندى، وتعبيرًا عن فرحة شعب، ومحاولة لترجمة حدث عسكرى هائل إلى مشاعر يستطيع كل مصرى أن يفهمها ويشارك فيها.
أغنيات صنعت ذاكرة النصر
فى الثانية والربع من ظهر السادس من أكتوبر، أذاعت الإذاعة المصرية البيان العسكرى الأول معلنةً بدء العمليات العسكرية. ومنذ تلك اللحظة أصبحت الإذاعة نافذة المصريين على الجبهة، غير أن البيانات العسكرية لم تكن وحدها حاضرة، فقد تداخلت معها الأغنية لتمنح الخبر العسكرى بعدًا إنسانيًا، وتحوّل القلق والترقب إلى حماس، ثم إلى فرحة مع وصول أخبار العبور.
وإذا كانت هناك أغنية اختزلت لحظة العبور فى كلمات قليلة، فهى «بسم الله.. الله أكبر»، من كلمات عبد الرحيم منصور وألحان بليغ حمدى وأداء المجموعة. التقط منصور الهتاف الذى خرج من أفواه الجنود: «الله أكبر»، وحوّله بليغ إلى لحن حماسى. ومن اللافت أن بليغ استعان بالعاملين فى الإذاعة للمشاركة فى تسجيل الأغنية، فأصبح الاستوديو نفسه جزءًا من ملحمة أكتوبر.
وكان بليغ أحد أبطال المشهد الغنائى؛ فإلى جانب «بسم الله.. الله أكبر» لحّن «على الربابة» لوردة، و«عاش اللى قال» لعبد الحليم حافظ، وغيرهما. منصور يكتب، وبليغ يلحن، وعبد الحليم ووردة يغنيان، والمجموعة تردد، والإذاعة تفتح الاستوديو.. هكذا صنعت مصر أغنية النصر.
وفى الساعات الأولى من السابع من أكتوبر جاءت «على الربابة» بصوت وردة، من كلمات عبد الرحيم منصور وألحان بليغ حمدى، لتصبح واحدة من علامات الذاكرة الغنائية للحرب. أما عبد الحليم حافظ فقدّم «عاش اللى قال»، من كلمات محمد حمزة وألحان بليغ، فارتبط صوته بفرحة العبور والانتصار.
من أغنيات سبقت الحرب إلى أغنيات الأرض المحررة
لم تُكتب كل أغنيات أكتوبر بعد اندلاع الحرب. فأغنية «رايحين رايحين.. شايلين فى إيدنا سلاح»، من كلمات نبيلة قنديل وألحان على إسماعيل، كانت قد أُعدّت لفيلم «العصفور» ليوسف شاهين قبل الحرب، لكنها اكتسبت بعد العبور معنى جديدًا وأصبحت جزءًا من المشهد الوطنى. وهنا تظهر حقيقة مهمة: أحيانًا لا تتغير الأغنية، وإنما يتغير التاريخ من حولها.
ثم جاءت شادية بـ«عبرنا الهزيمة»، وهى أغنية ارتبطت بعنوان مقال لتوفيق الحكيم. وقدمت شريفة فاضل «أم البطل»، من كلمات نبيلة قنديل وألحان على إسماعيل، فغنّت للحرب من زاوية الأم التى فقدت ابنها الشهيد، لتصبح الأغنية صوتًا لثمن النصر.
وبعد الحرب جاء «صباح الخير يا سينا» لعبد الحليم، من كلمات عبد الرحمن الأبنودى وألحان كمال الطويل، لينتقل الغناء من العبور إلى الأرض المحررة. وقدمت سعاد حسنى «دولا مين»، وهى من الأغانى التى اختلفت فى الشكل والنمط كلمةً ولحنًا وأداءً. كما بقيت فى الذاكرة أغنيات «لفى البلاد يا صبية»، و«الفجر لاح»، و«ع البر التانى»، و«من باب الفتوح»، و«سكة واحدة»، و«بالأحضان يا سينا»، و«صباح النصر»، و«رايحة فين يا عروسة»، و«سمينا وعدينا»، و«مصر يا غالية».
لم تكن قيمة هذه الأغنيات فنية فحسب، فقد لعبت دورًا فى الجبهة الداخلية لا يقل أهمية. ربطت المواطن فى بيته بالجندى على الجبهة، وحوّلت أخبار المعركة إلى لغة وجدانية يتشاركها الجميع، ولهذا لا تزال تُذاع كل عام فى ذكرى النصر، وتتجدد معها الحالة الوطنية التى صنعتها.
لم تكن الأغنية سلاحًا عسكريًا، لكنها كانت سلاحًا معنويًا. كان الجندى يحتاج إلى أن يعرف أن خلفه شعبًا ينتظر عودته، وكانت الأسرة تحتاج إلى صوت يمنحها القدرة على تحمل القلق، وكان المواطن يحتاج إلى من يغنى ما يشعر به ولا يستطيع قوله.
ولهذا بقيت أغانى أكتوبر؛ لأنها لم تسجل حربًا فقط، وإنما سجلت وجدان أمة. كانت الأغنية يومها جزءًا من المعركة، وحين انتصر الجيش انتصرت معه الكلمة واللحن والصوت، وبقيت أغنية أكتوبر شاهدًا على زمن كانت فيه مصر كلها تغنى من أجل النصر.
