شهدت العاصمة الفرنسية باريس احتجاجات جديدة للمزارعين رفضًا لاتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركوسور في أمريكا الجنوبية، وسط مخاوف من تأثير الاتفاق على القطاع الزراعي الأوروبي، وتصاعد المطالب بفرض ضمانات تحمي المنتجين المحليين من المنافسة غير المتكافئة.
ما الذي حدث؟
شهدت التحركات، التي جرت في 8 أكتوبر، دخول مئات الجرارات إلى العاصمة، حيث تجمع المزارعون أمام الجمعية الوطنية الفرنسية، ورفعوا لافتات تحذر من تداعيات الاتفاق على مستقبل الزراعة والوظائف في المناطق الريفية. وبحسب تقارير إعلامية، شارك في التحركات نحو 2200 مزارع و625 جرارًا في 39 منطقة إدارية فرنسية، وفق بيانات وزارة الداخلية، فيما نظمت الاحتجاجات نقابة «التنسيق الريفي» الزراعية.
لماذا يرفض المزارعون اتفاق ميركوسور؟
يتمحور اعتراض المزارعين الفرنسيين حول مخاوف من زيادة واردات المنتجات الزراعية القادمة من دول ميركوسور، وهي البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي، بما قد يضغط على أسعار المنتجات المحلية ويقلص قدرة المزارعين الأوروبيين على المنافسة.
ويخشى المحتجون بصورة خاصة ارتفاع واردات لحوم الأبقار والدواجن والسكر، معتبرين أن المنتجين في أمريكا الجنوبية قد يستفيدون من تكاليف إنتاج أقل ومتطلبات تنظيمية مختلفة، في حين يتحمل المزارعون الأوروبيون أعباء مرتبطة بالمعايير البيئية والصحية وقواعد رعاية الحيوانات.
ويرى المعارضون أن فتح الأسواق أمام مزيد من المنتجات المستوردة دون ضمانات كافية قد يهدد دخل المزارع الصغيرة والمتوسطة، ويزيد الضغوط على المجتمعات الريفية التي تعتمد على النشاط الزراعي. في المقابل، تؤكد الجهات الأوروبية المؤيدة للاتفاق أن قواعد سلامة الغذاء الأوروبية ستظل سارية على الواردات، وأن بعض المنتجات الزراعية الحساسة ستخضع لحصص وقيود محددة.
اتفاق تجاري واسع يثير انقسام أوروبي
يهدف اتفاق الاتحاد الأوروبي وميركوسور إلى توسيع التبادل التجاري بين الجانبين، وفتح أسواق أكبر أمام المنتجات الصناعية الأوروبية والسلع الزراعية القادمة من أمريكا الجنوبية، بما يعزز العلاقات الاقتصادية بين التكتلين. ويُعد الاتفاق من أكبر مشروعات التجارة الحرة التي تفاوض عليها الاتحاد الأوروبي، بعد مفاوضات استمرت لأكثر من 25 عامًا. ومن المتوقع أن يتيح فرصًا إضافية أمام صادرات أوروبية مثل السيارات والآلات والأدوية، مقابل تسهيل وصول منتجات من دول أمريكا الجنوبية إلى السوق الأوروبية.
لكن الاتفاق تسبب في انقسام بين الدول الأعضاء، إذ عارضته فرنسا ودول أخرى بسبب المخاوف الزراعية والبيئية، بينما ترى دول مؤيدة أن الاتفاق يوفر فرصًا تجارية جديدة ويساعد أوروبا على تنويع شركائها الاقتصاديين. وكانت المفوضية الأوروبية قد دفعت باتجاه تطبيق الاتفاق بصورة مؤقتة، رغم استمرار الاعتراضات والخلافات القانونية والسياسية بشأنه.
ماكرون تحت ضغط المزارعين
تضع الاحتجاجات الحكومة الفرنسية والرئيس إيمانويل ماكرون أمام ضغوط متزايدة، في ظل تمسك قطاعات من المزارعين برفض الاتفاق والمطالبة بضمانات أكثر صرامة لحماية الإنتاج المحلي. ولا تقتصر مطالب المحتجين على اتفاق ميركوسور، بل تمتد إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، والأعباء التنظيمية، والسياسات الحكومية المتعلقة بمواجهة الأمراض التي تصيب الماشية.
وخلال احتجاجات سابقة في باريس، أعلن ماكرون أن فرنسا ستصوت ضد الاتفاق، مؤكدًا استمرار اعتراض بلاده عليه، في وقت تسعى فيه المفوضية الأوروبية إلى استكمال الإجراءات اللازمة للمضي قدمًا في الاتفاق. وتعكس هذه التطورات صعوبة التوفيق بين أهداف الاتحاد الأوروبي التجارية والاستراتيجية من جهة، ومطالب المزارعين بالحفاظ على دخلهم وقدرتهم التنافسية من جهة أخرى.
مستقبل الاتفاق بين المصالح التجارية والاحتجاجات
تفتح الاحتجاجات الفرنسية الباب أمام مزيد من النقاش بشأن الضمانات التي يمكن تقديمها للمزارعين، ومدى قدرة السياسات الأوروبية على حماية الإنتاج المحلي دون التخلي عن فرص التوسع التجاري. وبينما تراهن المؤسسات الأوروبية على المكاسب الاقتصادية المحتملة للاتفاق، يواصل المزارعون التحذير من انعكاساته على الأسواق الزراعية والوظائف الريفية، مطالبين بتطبيق معايير متكافئة على المنتجات المحلية والمستوردة.
ومع استمرار الخلافات، يبقى مستقبل الاتفاق موضع جدل سياسي واقتصادي داخل أوروبا، فيما تشير التحركات في باريس إلى أن ملف الزراعة سيظل أحد أبرز مصادر الضغط على الحكومات الأوروبية خلال المرحلة المقبلة.
للمذيد «إعصار إيزايا» يهدد ساحل الخليج الأمريكي.. إجلاء للسكان وتعليق إنتاج النفط
