أعلنت جمهورية مصر العربية رفضها القاطع لتصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 بين حكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة والجمهورية التركية بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، مؤكدة أن المذكرة باطلة بطلانًا مطلقًا ولا يترتب عليها أي آثار قانونية بالنسبة لمصر.
وأوضحت وزارة الخارجية المصرية، في بيان صحفي صادر بالقاهرة في 21 أكتوبر 2026، أن موقف مصر يستند إلى رفضها المسبق لمذكرة التفاهم وما تضمنته من ترتيبات تتعارض، وفقًا للموقف المصري، مع مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ولا سيما القواعد المتعلقة بتعيين المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.
وشددت القاهرة على أن التصديق الليبي الأخير لا يغير من موقفها القانوني، ولا يمكن أن ينتقص من حقوقها السيادية في مناطقها البحرية، مؤكدة احتفاظها بحقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها وفقًا للقانون الدولي.
القاهرة: المذكرة تتعارض مع قواعد القانون الدولي للبحار
وأكد البيان المصري أن مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 تتعارض مع المبادئ القانونية المنظمة لترسيم الحدود البحرية، مشيرًا إلى أن تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري ينبغي أن يقوم على قواعد القانون الدولي ومبادئ العدالة والإنصاف، مع مراعاة الظروف الجغرافية والسواحل ذات الصلة.
واستندت مصر في موقفها إلى أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تنظم حقوق الدول الساحلية في مناطقها البحرية، بما في ذلك الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وتحدد الإطار القانوني لترسيم الحدود البحرية عند تداخل المطالبات بين الدول.
وأكدت الخارجية المصرية أن المذكرة، وفقًا للموقف الرسمي للقاهرة، تمس الحقوق السيادية المصرية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري بالبحر المتوسط، وهو ما يجعل مصر ترفض الاعتداد بها أو قبول أي إجراءات أو تصرفات تستند إليها بما يتعارض مع حدودها البحرية المعلنة وحقوقها القانونية.
تصعيد جديد بعد تصديق البرلمان الليبي
ويأتي الموقف المصري بعد تصويت مجلس النواب الليبي، في 20 أكتوبر الجاري، بالإجماع على التصديق على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا، في خطوة تمثل تحولًا في موقف المجلس، الذي سبق أن رفض في عام 2020 التصديق على مذكرتي التفاهم الموقعتين بين حكومة الوفاق الوطني وأنقرة بشأن التعاون البحري والأمني والعسكري.
وشمل القرار الليبي الجديد إلغاء قرار سابق برفض التصديق على المذكرتين، إلى جانب إلغاء قرار آخر كان يقضي بقطع العلاقات السياسية مع تركيا، بما يعكس تغيرًا في توجهات البرلمان تجاه أنقرة والاتفاقات الموقعة معها.
وكانت حكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة وتركيا قد وقعتا مذكرة التفاهم البحرية في 27 نوفمبر 2019، بهدف تحديد مجالات الصلاحية البحرية بين البلدين في البحر المتوسط، بما يشمل ترسيم مناطق الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة وفق إحداثيات جغرافية محددة.
وأثار الاتفاق منذ توقيعه خلافات إقليمية واسعة، إذ اعترضت عليه مصر واليونان وقبرص، بسبب ما اعتبرته هذه الدول مساسًا بحقوقها البحرية وتجاهلًا لاعتبارات جغرافية وقانونية مرتبطة بترسيم الحدود في شرق المتوسط.
لماذا يمثل الاتفاق أهمية استراتيجية لمصر؟
تتجاوز أهمية الخلاف الجوانب القانونية المتعلقة بترسيم الحدود البحرية، إذ ترتبط المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري بحقوق الدول الساحلية في استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، بما يشمل موارد الطاقة والثروات الموجودة في قاع البحر وباطن أرضه.
ويمثل شرق البحر المتوسط منطقة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية متزايدة، في ظل التنافس على موارد الغاز الطبيعي ومشروعات الطاقة والبنية التحتية البحرية، وهو ما يجعل أي خلاف بشأن تحديد الاختصاصات البحرية محل اهتمام إقليمي ودولي.
وبالنسبة لمصر، ترتبط حماية الحقوق البحرية بصون المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدولة، وضمان عدم فرض ترتيبات أحادية تؤثر في حقوقها السيادية أو تخلق أوضاعًا بحرية متنازعًا عليها.
كما يرتبط الملف بتوازنات العلاقات بين دول شرق المتوسط، في ظل اختلاف مواقف الدول بشأن كيفية ترسيم المناطق البحرية، وحدود تأثير الجزر في تحديد الاستحقاقات البحرية، وآليات التفاوض للوصول إلى تسويات تحظى بقبول الأطراف المعنية.
مصر تتمسك بحقوقها وترفض فرض الأمر الواقع
وفي ختام بيانها، أكدت مصر تمسكها بموقفها الرافض للمذكرة، مشددة على أن أي إجراءات أو تصرفات تستند إليها، إذا تعارضت مع الحدود البحرية المصرية المعلنة، لن تكون مقبولة بالنسبة للقاهرة.
وأكدت أن الدولة المصرية تحتفظ بحقها في حماية مصالحها وحقوقها السيادية بالوسائل التي يكفلها القانون الدولي، والتصدي لأي محاولة للمساس بها.
ويفتح التصديق الليبي على الاتفاق صفحة جديدة من الخلافات القانونية والدبلوماسية في شرق المتوسط، في وقت تتزايد فيه أهمية الموارد البحرية وممرات الطاقة، بينما يبقى التحدي الأساسي أمام الأطراف المعنية هو إدارة النزاع وفق قواعد القانون الدولي، ومنع تحوله إلى مصدر إضافي للتوتر الإقليمي.

للمزيد:الحوثيون يعلنون تنفيذ 6 عمليات داخل السعودية.. استهداف مطارات ومنشآت نفطية وقواعد عسكرية
