حذرت الدكتورة رانيا فوزي، الباحثة في العلوم السياسية والاستراتيجية، من تداعيات موافقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الموقعة بين تركيا وليبيا بشأن ترسيم الحدود البحرية، مؤكدة أن الموقف المصري الرافض للاتفاق لا يرتبط فقط باعتبارات قانونية، وإنما يتصل أيضًا بحسابات جيوسياسية أوسع، تشمل أمن الطاقة وتوازنات القوى في منطقة شرق البحر المتوسط.

وأوضحت فوزي، في تصريح خاص لـ«خمسة سياسة»، أن منطقة شرق المتوسط لا تزال ساحة لتداخل المصالح والخلافات الإقليمية، مشيرة إلى أن إعادة طرح الاتفاق الموقع عام 2019 من خلال موافقة البرلمان الليبي تعيد إلى الواجهة أجواء التوتر بين القاهرة وأنقرة، وتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن انعكاساته على المصالح البحرية المصرية ومستقبل التفاهمات الإقليمية.

وأضافت أن خطورة الخطوة تكمن في احتمال تجاوزها حدود الخلاف القانوني والسياسي، لتتحول إلى عامل ضغط جديد على العلاقات الإقليمية، خاصة في ظل حساسية الملفات المرتبطة بترسيم الحدود البحرية وحقوق الدول في المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وما يرتبط بها من مصالح استراتيجية وموارد للطاقة.

مذكرة تركيا وليبيا تعيد التوتر إلى شرق المتوسط

وأكدت الباحثة في العلوم السياسية والاستراتيجية أن موافقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم تمثل تصعيدًا يستدعي التعامل معه بحذر، محذرة من أن تداعياتها قد تمتد إلى المشهد الليبي الداخلي، وتؤثر على فرص الاستقرار، فضلًا عن انعكاساتها المحتملة على العلاقات المصرية التركية.

ويأتي ذلك في وقت أعلنت فيه مصر رفضها القاطع للمذكرة، معتبرة أنها باطلة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني في مواجهتها، وأنها تمس حقوقها السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري. ويعكس الموقف المصري تمسك القاهرة بحقوقها البحرية ورفضها لأي ترتيبات ترى أنها تنتقص من مصالحها وفقًا للقانون الدولي.

وأشارت فوزي إلى أن الملف البحري لا يمكن فصله عن التنافس الإقليمي على موارد الطاقة ومناطق النفوذ في شرق المتوسط، لافتة إلى أن أي تحرك من شأنه تغيير قواعد التفاهم بين الأطراف المعنية قد يؤدي إلى تعقيد المشهد، خصوصًا إذا تزامن مع أزمات أخرى تشهدها المنطقة.

وفي قراءتها للتوقيت، ربطت فوزي بين تطورات الملف الليبي وتعدد التحديات التي تواجه الأمن القومي المصري، معتبرة أن تزامن هذه الملفات يرفع من حساسية الموقف ويجعل التعامل مع التطورات الإقليمية أكثر تعقيدًا.

تعدد جبهات الأمن القومي يضاعف حساسية التوقيت

ولفتت فوزي إلى أن مصر تتعامل مع مجموعة من الملفات الإقليمية المتشابكة، من بينها تطورات الأوضاع في السودان، والحرب في غزة وما يرتبط بها من مخاوف بشأن التهجير، إلى جانب التحديات المرتبطة بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، واستمرار الخلافات حول سد النهضة الإثيوبي.

وترى الباحثة أن تزامن هذه الملفات مع التطورات المتعلقة بالمذكرة البحرية التركية الليبية يفرض على القاهرة حسابات دقيقة، للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية ومنع انتقال التوتر من ملف إلى آخر، خاصة أن التحركات الإقليمية قد تتداخل آثارها السياسية والأمنية.

وفي سياق تفسيرها للتوقيت، طرحت فوزي احتمال وجود تحركات وضغوط دولية وراء بعض التطورات الإقليمية، وتحدثت عن تصورات تتعلق بالدور الأمريكي، وربطت ذلك بملفات أمن الخليج والعلاقات بين السعودية وإسرائيل. وتظل هذه القراءة تقديرًا سياسيًا طرحته الباحثة، ولا تمثل دليلًا مستقلًا على وجود تنسيق أو تدخل أمريكي وراء الموافقة الليبية على المذكرة.

وشددت فوزي على أن التعامل مع هذه التطورات يتطلب قراءة شاملة لخريطة المصالح والتحالفات في المنطقة، بدلًا من النظر إلى مذكرة التفاهم باعتبارها خلافًا منفصلًا عن بقية الملفات، مؤكدة أهمية حماية المصالح المصرية مع تجنب الانزلاق إلى تصعيد إقليمي جديد.

تحركات دبلوماسية محتملة لاحتواء الخلاف

وتوقعت فوزي أن تواصل مصر التحرك عبر القنوات الدبلوماسية، بما في ذلك التواصل مع الأطراف الليبية المعنية، بهدف احتواء تداعيات القرار والعمل على مراجعة الموقف، بما يحول دون اتساع الخلافات أو تجدد التوتر بين القاهرة وأنقرة.

وأوضحت أن المسار الدبلوماسي يتيح للقاهرة الدفاع عن حقوقها ومصالحها البحرية، مع الحفاظ على فرص التواصل السياسي وتجنب التصعيد غير الضروري، في ظل تشابك المصالح الإقليمية وتعدد الملفات التي تتطلب التنسيق والتفاوض.

وتبرز أهمية التحركات المقبلة في مدى قدرة الأطراف المعنية على احتواء الخلافات المرتبطة بالمذكرة، ومنع تحولها إلى أزمة أوسع تؤثر على الاستقرار الإقليمي. كما ستظل طبيعة المواقف المصرية والتركية والليبية، ومدى الاستجابة للمساعي الدبلوماسية، من العوامل المؤثرة في مسار هذا الملف خلال الفترة المقبلة.

ويعكس الجدل حول المذكرة التركية الليبية حساسية ملف الحدود البحرية في شرق المتوسط، حيث تتقاطع اعتبارات القانون الدولي مع المصالح الاقتصادية والأمنية وحسابات النفوذ الإقليمي. وبين تمسك مصر بحقوقها البحرية والتحركات الدبلوماسية المحتملة، يبقى احتواء الأزمة مرهونًا بالتطورات السياسية المقبلة وقدرة الأطراف على تجنب خطوات من شأنها تعميق التوتر.