أسبوع القاهرة لـ المياه.. تواجه دول حوض النيل معادلة يصعب فصل أطرافها: فالدول التي تسعى إلى توسيع مشروعات الطاقة والزراعة والبنية الأساسية تحتاج إلى الاستفادة من مواردها الطبيعية، بينما ترتبط حياة ملايين السكان في دول المصب باستمرار تدفق المياه وإمكانية التنبؤ بتغيراته.

وبين هذين الاحتياجين، يصبح السؤال الرئيسي هو كيفية إدارة النهر بما يتيح التنمية ويحد من المخاطر العابرة للحدود.

وفي كلمته خلال افتتاح الدورة التاسعة لأسبوع القاهرة للمياه، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر تحترم حق دول حوض النيل في التنمية وتدعمه، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة ممارسة هذا الحق بمسؤولية، دون الإضرار بالدول الأخرى أو المساس بأمنها المائي.

وتعكس هذه الرسالة جوهر الخلاف حول إدارة الموارد المشتركة: ليس مجرد حق الدول في إقامة المشروعات، بل الشروط والإجراءات التي تحكم التخطيط لها، وتقييم آثارها، والتعامل مع نتائجها المحتملة على الدول الأخرى.

أسبوع القاهرة لـ المياه.. معادلة قانونية تتجاوز حدود السيادة

تستند إدارة المجاري المائية الدولية إلى مبادئ قانونية تتناول الانتفاع المنصف والمعقول، والتعاون، واتخاذ التدابير المناسبة لتجنب التسبب في ضرر ذي شأن.

وتعرض اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية هذه المبادئ ضمن إطار ينظم العلاقات بين الدول المتشاطئة.

ولا تعني هذه المبادئ أن دولة المنبع تفقد حقها في التنمية، كما لا تعني أن دولة المصب تملك حق الاعتراض المطلق على كل مشروع.

فالتطبيق يرتبط بظروف كل حالة، والالتزامات القانونية المنطبقة عليها، وطبيعة الاستخدامات القائمة والمخطط لها، والآثار المحتملة، ومدى التعاون بين الأطراف.

وتكمن أهمية الإخطار والتشاور وتبادل الدراسات في أنها تتيح للدول المعنية فهم المخاطر المحتملة قبل تحولها إلى أزمة سياسية.

كما يمكنها أن تفتح المجال لتعديل تصميم بعض المشروعات أو توقيت تشغيلها، أو الاتفاق على ترتيبات لتبادل البيانات والتعامل مع الظروف الاستثنائية.

لكن وجود المبادئ القانونية وحده لا يحسم الخلافات؛ إذ تظل كيفية تفسير الالتزامات وتطبيقها، ووجود آليات مقبولة لدى الأطراف لمتابعة تنفيذها، من العناصر الحاسمة في إدارة الأنهار المشتركة.

من الخلاف إلى المصالح القابلة للقياس

تتيح مشروعات التنمية المشتركة مسارًا موازيًا للتفاوض السياسي. فالتعاون في الطاقة والربط الكهربائي ومياه الشرب والزراعة والتدريب يمكن أن ينتج منافع ملموسة، ويخلق مصالح اقتصادية واجتماعية مشتركة بين الدول.

وفي هذا السياق، أعلنت مبادرة حوض النيل عن إطار للاستثمارات الإقليمية يهدف إلى تحديد المشروعات ذات القيمة العابرة للحدود، وتطوير جاهزيتها، وتنسيق جهود التمويل، وتعزيز الأمن المائي والغذائي والطاقة والاستدامة البيئية.

وتكمن أهمية هذا النوع من الأطر في أنه ينقل التعاون من مستوى المبادئ العامة إلى مشروعات يمكن تقييمها من حيث التكلفة، والتمويل، والجدول الزمني، وعدد المستفيدين، وأثرها على التنمية الإقليمية.

كما يمكن للتعاون الفني أن يسهم في تقليل فجوات المعلومات بين الدول، خصوصًا عندما يشمل تبادل البيانات الهيدرولوجية، وتطوير نظم الإنذار المبكر، والتنبؤ بالجفاف والفيضانات، وتنسيق الاستجابة للمخاطر.

غير أن المشروعات التنموية لا تحل تلقائيًا الخلافات المتعلقة بتشغيل السدود أو إدارة التدفقات المائية أو الالتزامات القانونية.

فهي تفتح مجالات إضافية للمصالح المشتركة، لكنها تحتاج إلى أن تسير بالتوازي مع الحوار بشأن المسائل التي لا تزال محل خلاف.

السدود والتشاور.. أين تبدأ المشكلة؟

تظهر أهمية التشاور بصورة خاصة عندما تكون للمشروعات الكبرى آثار محتملة على تدفق المياه أو توقيت وصولها أو قدرة الدول الأخرى على التخطيط لاستخداماتها.

فكلما زادت أهمية المشروع بالنسبة إلى دولة، وزادت حساسية آثاره المحتملة بالنسبة إلى دول أخرى، ازدادت الحاجة إلى معلومات فنية مشتركة وإجراءات واضحة للتعامل مع المخاطر.

وفي حالة سد النهضة الإثيوبي، تتمثل إحدى القضايا الرئيسية في استمرار الخلاف بين مصر وإثيوبيا بشأن التوصل إلى ترتيبات متفق عليها لإدارة المسائل المرتبطة بالسد، بما في ذلك التعامل مع الظروف الهيدرولوجية المختلفة.

وتؤكد مصر ضرورة حماية أمنها المائي والالتزام بالتشاور، فيما تتمسك إثيوبيا بحقها في التنمية وتوليد الكهرباء.

ومن المهم صحفيًا التمييز بين المواقف المعلنة لكل طرف، والوقائع الفنية المتعلقة بتشغيل السد، والنتائج التي يمكن إثباتها من خلال البيانات والدراسات.

فالتوصيف السياسي للخلاف لا يغني عن تحليل البيانات المائية، كما أن عرض المواقف الرسمية لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره بديلًا عن التحقق المستقل.

ما الذي يجعل بناء الثقة ممكنًا؟

لا تُبنى الثقة بمجرد إعلان حسن النوايا، بل من خلال سلوك يمكن التحقق منه بمرور الوقت. ويشمل ذلك انتظام تبادل المعلومات، والشفافية بشأن الخطط التشغيلية ذات الصلة، والتشاور بشأن الإجراءات التي قد تؤثر في الدول الأخرى، ووجود قنوات اتصال تستمر حتى في فترات التوتر.

كما يتطلب التعاون الاعتراف بأن دول الحوض ليست متطابقة في احتياجاتها أو قدراتها أو أولوياتها. فبعضها يركز على الكهرباء والتوسع الاقتصادي، بينما ترتبط احتياجات أخرى بالري والأمن الغذائي واستقرار الإمدادات المائية. ويتيح فهم هذه الاختلافات البحث عن ترتيبات تحقق المنافع وتقلل المخاطر، بدلًا من اختزال العلاقة في معادلة صفرية.

وتظل المشروعات المشتركة، وتبادل الخبرات، وتطوير البنية الأساسية، أدوات مهمة لبناء المصالح المتبادلة، بشرط ألا تحجب المسائل التي تحتاج إلى اتفاق مباشر، وألا يُقاس نجاح التعاون بعدد المبادرات المعلنة وحده.

النيل اختبار لإدارة المصالح المشتركة

تعيد كلمة الرئيس السيسي طرح التعاون بوصفه المسار الذي تدعو إليه مصر لإدارة ملف المياه، مع التأكيد على عدم المساس بأمنها المائي. لكن مستقبل هذا المسار سيعتمد على قدرة الدول المعنية على تحويل المبادئ إلى ترتيبات عملية، وعلى توفير بيانات موثوقة وآليات مستمرة للتشاور والتعامل مع المخاطر.

وتتيح مشروعات التنمية المشتركة فرصة لتعزيز العلاقات بين دول الحوض، لكنها لا تُغني عن معالجة الخلافات المتعلقة بإدارة النهر. فالمطلوب هو مساران متوازيان: توسيع مجالات التعاون التي تحقق منافع ملموسة، والعمل على قواعد واضحة للمسائل التي تتطلب تفاهمًا مباشرًا.

وفي النهاية، لا يتوقف مستقبل النيل على الاعتراف بأهمية التنمية أو الأمن المائي كلٍّ على حدة، بل على إيجاد ترتيبات تتيح تحقيقهما معًا قدر الإمكان، وتحول اختلاف المصالح من سبب دائم للتوتر إلى قضية تُدار بالمعلومات والقواعد والتفاوض المستمر.