شهدت منطقة أبو تلات غرب الإسكندرية صباح السبت 23 أغسطس 2025 حادث غرق مأساوي، بعدما تحولت رحلة ترفيهية لطلاب إحدى الأكاديميات الخاصة إلى فاجعة أليمة، الرحلة التي نظمتها أكاديمية للضيافة الجوية انتهت بمصرع 6 طلاب وإصابة 28 آخرين، في مشهد صادم هز الرأي العام وأعاد فتح ملف الأكاديميات الوهمية التي تنتشر في بعض المحافظات وتستغل أحلام الشباب.
بحسب ما أعلنته محافظة الإسكندرية، فإن الحادث وقع على شاطئ أبو تلات بالعجمي، وهو شاطئ كان مرفوعًا عليه "العلم الأحمر" الذي يحذر من نزول البحر بسبب ارتفاع الأمواج.
ورغم ذلك، نزل عدد من الطلاب إلى المياه ليتعرضوا لموجات عالية باغتتهم وتسببت في غرق بعضهم، أسرعت فرق الإنقاذ إلى المكان وتمكنت من انتشال جثث الضحايا وإنقاذ عدد من المصابين الذين نُقلوا إلى مستشفيات العجمي والعامرية، بينما استمرت عمليات البحث حتى تم العثور على جثث جديدة ليصل عدد الوفيات إلى سبعة.
التحقيقات الأولية كشفت أن الأكاديمية المنظمة للرحلة تُدعى "ACS" للضيافة الجوية وعلوم الطيران، وهي كيان غير مرخص رسميًا يقدم وعودًا وهمية للطلاب بالتدريب والتوظيف في مجال الطيران.
النيابة العامة فتحت تحقيقًا موسعًا في الحادث، وأمرت بحبس مديرة فرع الأكاديمية في سوهاج ورئيس مجلس إدارتها بتهم تتعلق بخداع الطلاب والإهمال الجسيم الذي أدى إلى الكارثة.
جاءت ردود الفعل الرسمية سريعة، حيث أكدت محافظة الإسكندرية أن الحادث وقع رغم التحذيرات المعلنة من السباحة في ذلك اليوم، فيما شددت النيابة على أنها ستتعامل بحزم مع أي كيانات تعليمية غير مرخصة تعرض حياة الطلاب للخطر.
وزارة الصحة والتضامن تعلّقان على حادث غرق أبو تلات: دعم طبي ونفسي للأسر المنكوبة
أكد الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس الوزراء ووزير الصحة والسكان، التزام الوزارة بتوفير جميع الإمكانيات الطبية واللوجستية اللازمة للتعامل مع حادث غرق أبو تلات، مشددًا على استمرار المتابعة الدقيقة لحالات المصابين.
وأوضح المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، الدكتور حسام عبدالغفار، أن سيارات الإسعاف وصلت إلى موقع الحادث في زمن قياسي تراوح بين 8 و14 دقيقة فقط، الأمر الذي ساهم في إنقاذ العديد من الأرواح.
وأضاف أن فرق الدعم النفسي متواجدة لتقديم المساندة اللازمة للمصابين وأسر الضحايا، مع التواصل المستمر مع أهالي الطلاب لإطلاعهم على التفاصيل أولًا بأول.
ومن جانبها، أعربت وزيرة التضامن الاجتماعي، الدكتورة مايا مرسي، عن بالغ حزنها لوقوع الحادث، مؤكدة سرعة تدخل فرق الهلال الأحمر المصري لتقديم الدعم النفسي والإغاثي للأسر المتضررة.
ومن جانبهم، عبر أهالي الضحايا عن غضبهم من غياب الرقابة على مثل هذه المؤسسات، مطالبين بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع تكرار مثل هذه المآسي.
وأكد فوزي عطية، والد إحدى المصابات في حادث شاطيء أبو تلات، والطالبة بأكاديمية الضيافة الجوية، إن نجلته انضمت للدراسة بالأكاديمية، كبديل لدراسة الثانوية العامة، بعد أن اوهمتهم الأكاديمية، بأنها حاصلة على جميل الترخيصات من الجهات الحكومية لمزاولة النشاط.
"22 ألف جنيه للترم"، حسبما يؤكد عطية في تصريح خاص لـ "خمسة سياسة" عن المصاريف التي يدفعها لنجلته، حيث يوضح: "بنتي عرفت الأكاديمية وهي تبحث عن بدائل الثانوية العامة مع صديقاتها على شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي".
وتابع: تنشر صفحة الأكاديمية الكثير من الفيديوهات عن الأنشطة الطلابية والعملية التعليمية، ولا يمكن أن نشك أبدا في أنها غير مرخصة.
وأضاف: "مشكلة بنتي سهلة، هنشوف مدرسة أخرى، لكن اللي مات ما بيرجعش".
كما أوضح ممدوح عبد الحميد، الخبير القانوني، في تصريح خاص لـ"خمسة سياسة" أن الكيانات التعليمية الوهمية، تستهدف الطلاب من خلال الإعلانات الوهمية، لتحقيق مكاسب خيالية، دون دفع أي ضرائب أو مصاريف ترخيص قد تستنزف منهم أموال لا يريدون دفعها، أو حتى تحقيق الاشتراطات في المباني والفصول الدراسية.
وتابع أن هذه الكيانات توهم الطلاب من خلال شروط هشة، يمكن أن تتحقق في الجميع، ففي الظاهر تضع شرط حصول الطلاب على 50% في الشهادة الإعدادية، لكن عمليًا هذا الشرط متوفر في جميع الحاصلين على الشهادة الإعدادية.
وشدد على أن القانون يعاقب على إنشاء كيانات تعليم وهمية، باعتبارها جريمة نصب واحتيال، ويمكن أن يتعرض المسؤولون عن هذه الأكاديميات لعقوبات تصل إلى الحبس والغرامة، وفقًا للمواد 336 و 338 من قانون العقوبات.
وأكد أنه من الناحية القانونية، ينص قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 وتعديلاته، على أن منح الدرجات العلمية والشهادات الأكاديمية هو اختصاص للجامعات الحكومية والخاصة والأهلية المنشأة بقرار جمهوري والمعتمدة من المجلس الأعلى للجامعات، متابعًا: أقر قانون التعليم العالي رقم 12 لسنة 2009 أن أي جهة غير مرخص لها لا يجوز أن تزاول نشاطًا تعليميًا أو تمنح شهادات أكاديمية، وإلا اعتُبرت مخالفة صريحة للقانون.
كذلك، شددت المادة (117) من قانون العقوبات المصري على تجريم الاحتيال والتزوير في المستندات الرسمية أو الادعاء بمنح مؤهلات غير صحيحة، بما يعرض القائمين على هذه الأكاديميات للمساءلة الجنائية.
وشدد على أنه تكمن خطورة هذه الكيانات الوهمية في أنها تُهدر مستقبل آلاف الطلاب الذين قد يقضون سنوات من الدراسة وينفقون مبالغ طائلة دون جدوى، إذ لا يتم الاعتراف بشهاداتهم في سوق العمل المحلي أو الدولي، بل قد يجد هؤلاء الطلاب أنفسهم في مواجهة اتهامات باستخدام شهادات غير معترف بها، مما يزيد من حجم الضرر النفسي والاجتماعي والاقتصادي الواقع عليهم.
كما أكد عميد أكاديمية الضيافة الجوية Fly Dream الدكتور إبراهيم الشاعر في تصريح خاص لـ"خمسة سياسة" أن حادث أبو تلات كشفت حجم الكيانات الوهمية التي تتاجر بأحلام الشباب، وتعمل بدون أي رقابة حقيقية.
وأضاف أنه من أجل حماية المواطنين، يجب على كل شخص قبل أن يلتحق بأي أكاديمية يتأكد بأنها مُسجلة رسميًا في السجل التجاري، ولها بطاقة ضريبية، وترخيص صادر من وزارة الاستثمار أو الجهة المختصة.
وتابع أن الأكاديميات المعتمدة يكون لديها أوراق موثقة، ومقر فعلي، وشهادات معترف بها.
وأردف الشاعر أن الحل يجب أن يكون في رقابة صارمة، وحملات توعية، وعقوبات رادعة لأي جهة وهمية تضلل المواطنين وتعرض حياتهم للخطر.
وتجدر الإشارة إلى أن مصر شهدت خلال السنوات الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في حملات ضبط الأكاديميات والكيانات التعليمية الوهمية، حيث تكشف بيانات وزارة الداخلية وبيانات منشورة في الصحف الرسمية عن إغلاق وضبط عشرات الكيانات غير المرخصة التي تضلل الطلاب وأولياء الأمور.
ووفقًا للمصادر الرسمية، تم ضبط نحو 4 كيانات وهمية في عام 2021، ارتفع العدد إلى 7 كيانات في 2022، ثم قفز إلى 11 كيانًا في 2023، قبل أن يسجل أعلى مستوياته في 2024 بإجمالي 15 كيانًا وهميًا.
هذا التصاعد يعكس خطورة الظاهرة وضرورة الرقابة المشددة على سوق التعليم غير الرسمي، خاصةً وأن هذه الكيانات تستهدف الشباب الباحث عن فرص تعليمية بديلة، ما يهدد مستقبلهم الدراسي والمهني.
ولم يعد الأمر مقتصرًا على تدمير المستقبل فقط، بل أصبح تهديدًا مباشرًا لحياة الطلاب نفسها، كما ظهر جليًا في مأساة شاطئ أبو تلات بالإسكندرية، حيث تحولت رحلة طلاب أكاديمية غير مرخصة إلى كارثة إنسانية.
قضايا شهيرة تكشف زيف الأكاديميات الوهمية في مصر
لم يكن حادث غرق طلاب أكاديمية الضيافة الجوية في أبو تلات مجرد مأساة عابرة، بل أسدل الستار عن ملف خطير يتكرر كل فترة في مصر، وهو ملف الأكاديميات الوهمية، هذه الكيانات غير المرخصة لا تكتفي بتضليل الشباب وبيع أحلام زائفة عن الدراسة والتوظيف، لكنها في بعض الأحيان تعرض حياتهم نفسها للخطر كما حدث في الإسكندرية.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت مصر عددًا من القضايا الشهيرة التي فضحت حجم هذا الخطر.
أكاديمية الطيران الوهمية في مدينة نصر (2024)
كشفت وزارة الداخلية عن ضبط أكاديمية غير مرخّصة كانت تدّعي تدريب الطلاب على قيادة الطائرات داخل مقر بمدينة نصر، وتمنح شهادات مزوّرة لا أساس لها من الصحة، القضية أثارت جدلاً واسعاً بعدما تبيّن أن القائم عليها استغل أحلام الشباب بالطيران، وجمع مبالغ مالية ضخمة قبل أن يتم ضبطه رسميًا.
أكاديمية الدبلوم الزراعي المزيّفة – سوهاج (2024)
في مشهد صادم، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على شاب حاصل على دبلوم زراعة بعدما أسس أكاديمية وهمية تمنح "شهادات دراسات عليا" لخريجي الجامعات.
القصة التي أثارت موجة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي تحت شعار: "دبلوم زراعة يديك ماجستير".
وعكست القضية استغلال واضح لطموحات الشباب الباحث عن شهادات عليا.
أكاديمية بلس في الجيزة (2023)
قضية أخرى شغلت الرأي العام، بعدما اكتشفت وزارة التعليم العالي كيانًا وهميًا يُدعى "أكاديمية بلس"، كان يروّج لقبول طلاب الثانوية العامة بمجموع 50% فقط في برنامج “بكالوريوس مهني”.
وقررت السلطات غلق المقر وتشميعه، لكن بعد أن كان عشرات الطلاب قد دفعوا المصروفات وحصلوا بالفعل على كارنيهات مزوّرة.
أكاديمية الخبراء العرب للهندسة والإدارة – المقطم (2025)
وزارة التعليم العالي أعلنت عن إغلاق وتشميع مقر ضخم في المقطم يُعرف بـ "أكاديمية الخبراء العرب للهندسة والإدارة"، كان يقدم برامج هندسية وإدارية غير معتمدة.
والمفاجأة أن الأكاديمية كانت تبيع للطلاب "شهادات دولية" مقابل آلاف الجنيهات، ما كشف عن مستوى عالٍ من الاحتيال الأكاديمي.
الأكاديمية الدولية للإعلام والتكنولوجيا الحديثة – الجيزة (2023)
في واقعة غريبة، ظهرت أكاديمية وهمية بالجيزة منحت الطلاب كارنيهات تحت مسمى "إعلامي" مقابل دفع رسوم مالية.
تلك الأكاديمية لم تحصل على أي اعتماد، وتم غلقها بقرار رسمي بعد أن روّجت بين الشباب لإمكانية العمل بالصحافة والإعلام عبر هذه الكارنيهات المزيفة.
كما تشير البيانات الرسمية إلى أن ظاهرة الأكاديميات الوهمية في مصر تنتشر بشكل أكبر في محافظات بعينها، حيث جاءت القاهرة والجيزة والشرقية في صدارة المحافظات التي شهدت أكبر عدد من الضبطيات، تليها الدقهلية والفيوم والإسكندرية.
وتوضح هذه الخريطة حجم انتشار الكيانات التعليمية غير المرخصة، التي تعمل على استقطاب الطلاب بشهادات مزيفة ودورات غير معتمدة، مما يهدد مستقبل آلاف الشباب.
وتعكس هذه الأرقام الحاجة إلى تشديد الرقابة القانونية والتوعية المجتمعية بخطورة الانسياق وراء كيانات التعليم الوهمي.
كما أجرينا مسحا للأسماء الأكاديميات على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تعلن عن نفسها ومميزاتها لترسم فخا للطلاب الباحثين عن تحقيق أحلامهم في تخصصات مختلفة.
وكشفنا عن 150 أكاديمية، لها صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وبالعودة إلى قاعدة بيانات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، لم تكن أي منهم مدرجة ضمن الأكاديميات والمنشآت التعليمية الحاصة على ترخيص رسمي من الوزارة لمزاولة نشاط التعليم.
اللافت للنظر في هذه الأكاديميات التي رصدناها، أن أغلبها ينتحل أسماء أكاديميات مرخصة بالفعل، وأسماء كليات قائمة ومرخصة، وبعضها ينتحل أسماء جامعات دولية وأوروبية عريقة، ليوهم الطلاب بأنها أكاديمية رسمية.
