في كشف جديد يضيف معلومات مهمة إلى سجل الاكتشافات الأثرية في مصر، أعلنت البعثة الأثرية المصرية العاملة بمنطقة سقارة اكتشاف مقبرة منقوشة لشخصية بارزة تُدعى «وني»، شغلت عددًا من المناصب الإدارية والدينية الرفيعة خلال عصر الدولة القديمة. وعثرت البعثة داخل بئر الدفن على أدوات برونزية يُرجح استخدامها في الأغراض الطبية، إلى جانب تماثيل خشبية وقطع أثرية أخرى تكشف جوانب جديدة من الممارسات الجنائزية والحياة في مصر القديمة.

وجاء الكشف ضمن أعمال الحفائر التي ينفذها المجلس الأعلى للآثار بجبانة الملك مرنرع في سقارة، وأعلنت وزارة السياحة والآثار تفاصيله خلال زيارة شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، إلى المنطقة يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، لمتابعة أعمال البعثة والاطلاع على أبرز المكتشفات.

مقبرة وني في سقارة.. ألقاب تكشف مكانة صاحبها

تتمثل إحدى أبرز النتائج العلمية لاكتشاف مقبرة وني في النقوش التي ساعدت الباحثين على تحديد اسم صاحبها والتعرف على مجموعة من ألقابه الوظيفية والدينية، التي تشير إلى مكانته داخل المجتمع المصري القديم.

وبحسب التفاصيل المعلنة، حمل «وني» ألقابًا متعددة، من بينها «العمدة»، و«كاهن سم»، و«مدير كل نقبة ملكية»، و«خازن مال بيت الشمال»، و«السمير الوحيد»، و«سيد مدينة الكاب».

وتعكس هذه الألقاب تنوع المسؤوليات التي ارتبطت بصاحب المقبرة، بين المهام الإدارية والوظائف الدينية والارتباط بمؤسسات الدولة الملكية. كما تمثل النقوش مصدرًا مهمًا لدراسة طبيعة المناصب التي شغلها كبار المسؤولين، وكيفية تداخل الأدوار الدينية والإدارية خلال عصر الدولة القديمة.

أدوات برونزية يُرجح استخدامها في الطب

ومن أبرز مفاجآت الكشف العثور على مجموعة من الأدوات البرونزية داخل بئر دفن «وني»، يُرجح استخدامها في الأغراض الطبية، وهو ما يفتح المجال أمام دراسات جديدة بشأن طبيعة هذه الأدوات ووظائفها في مصر القديمة.

لكن النقوش الموجودة داخل حجرة الدفن لم تتضمن لقبًا يشير إلى أن صاحب المقبرة كان طبيبًا، ما يجعل العلاقة بينه وبين هذه الأدوات مسألة تحتاج إلى مزيد من البحث والتحليل.

ولا يعني العثور على الأدوات البرونزية بالضرورة أن «وني» كان يمارس الطب، إذ يتطلب تحديد وظيفتها دراسة خصائصها وتكوينها والسياق الأثري الذي ظهرت فيه، للوصول إلى تفسير علمي يستند إلى الأدلة المتاحة.

تماثيل خشبية وباب وهمي لكاهنة حتحور

وشملت المكتشفات حجرة مقبية تقع أعلى حجرة دفن «وني»، وضمت تمثالين خشبيين صغيرين في وضع تعبدي نادر، يمثلان إضافة مهمة إلى دراسة التجهيزات الجنائزية والممارسات الدينية المرتبطة بالمقابر المصرية القديمة.

كما عثرت البعثة على باب وهمي يخص سيدة تُدعى «سخت نبتي»، حملت لقب «كاهنة حتحور»، وهو ما يضيف معلومات جديدة عن الأدوار الدينية التي أدتها النساء في المجتمع المصري القديم.

وتعزز هذه المكتشفات القيمة العلمية للموقع، إذ تجمع بين النقوش والتماثيل والعناصر المعمارية، بما يتيح للباحثين دراسة جوانب متعددة من المعتقدات الدينية وطقوس الدفن خلال عصر الدولة القديمة.

البقايا العظمية تكشف عمر وني وحالته الصحية

وكشفت الدراسات الأولية للبقايا العظمية الخاصة بصاحب المقبرة أنه توفي بعد تجاوز الخمسين من عمره، كما أظهرت مؤشرات على معاناته من مشكلات صحية متقدمة بالأسنان والأنسجة المحيطة بها.

وأشارت الفحوص كذلك إلى وجود علامات عظمية تتفق مع تعرضه لإجهاد بدني متكرر خلال حياته، وفقًا للتصريحات المعلنة عن نتائج الدراسة الأولية.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأنها تقدم معلومات تتجاوز الألقاب والنقوش الرسمية، لتساعد في تكوين صورة عن الحالة الصحية والظروف البدنية لصاحب المقبرة. ومع ذلك، تظل هذه النتائج أولية، وتحتاج إلى دراسات متخصصة لتفسيرها في سياقها العلمي والتاريخي.

وزير السياحة والآثار يتفقد الكشف الجديد في سقارة

وخلال زيارته، تفقد شريف فتحي أعمال البعثة المصرية الواقعة شمال غربي هرم الملك مرنرع، واستمع إلى شرح حول المقبرة والنقوش المسجلة على جدرانها، كما اطلع على تفاصيل الأدوات واللقى الأثرية المكتشفة داخل بئر الدفن.

وأكدت وزارة السياحة والآثار أهمية مواصلة دعم البعثات المصرية وتوفير الإمكانات اللازمة لأعمال البحث والتنقيب وفق الأساليب العلمية الحديثة.

من جانبه، أوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أهمية الكشف تمتد إلى المعلومات التي يقدمها بشأن التخطيط المعماري للمصاطب الجنائزية والممارسات الدينية المرتبطة بها، إلى جانب المكانة الإدارية والاجتماعية لصاحب المقبرة.

وتواصل البعثة أعمال الدراسات المعمارية والأثرية واللغوية والفنية للمكتشفات، بهدف تحديد وظائف العناصر المعمارية وتحليل الأدوات والقطع الأثرية وتفسير دلالات النقوش.

لماذا يمثل اكتشاف مقبرة وني إضافة مهمة لتاريخ مصر القديمة؟

تكمن أهمية اكتشاف أثري في سقارة في اجتماع أدلة متنوعة داخل موقع واحد؛ فالنقوش تكشف عن المناصب الإدارية والدينية، والأدوات البرونزية تطرح تساؤلات حول استخداماتها، بينما تقدم التماثيل الخشبية والباب الوهمي معلومات إضافية عن الممارسات الجنائزية والمعتقدات الدينية.

وتضيف البقايا العظمية بُعدًا آخر إلى الكشف، من خلال ما توفره من مؤشرات عن عمر صاحب المقبرة وحالته الصحية.

وتؤكد هذه العناصر أن القيمة الحقيقية الاكتشافات الأثرية لا تقتصر على العثور على قطع جديدة، بل تمتد إلى توظيف النقوش والأدلة المادية والتحليل العلمي لفهم طبيعة المجتمع المصري القديم ومؤسساته.

ومع استمرار أعمال البحث والدراسة، ينتظر أن تسهم النتائج اللاحقة في تقديم تفسيرات أكثر دقة بشأن المقبرة ومحتوياتها، بما يعزز المعرفة بتاريخ مصر القديمة ويضيف شواهد جديدة إلى ما تزخر به منطقة سقارة من آثار تاريخية.